عبدالناصر سلم حامد
ليست كل المعارك التي تُخاض في الحروب قادرة على تغيير مسارها، فهناك معارك تنتهي بانتهاء القتال، وأخرى تترك أثرًا يتجاوز حدود الميدان لتعيد رسم المشهد العسكري بأكمله. وما شهدته ولاية شمال كردفان خلال الأيام الأخيرة يبدو أقرب إلى النوع الثاني، ليس فقط بسبب ما أُعلن عن استعادة عدد من المدن، وإنما لأن تلك التطورات تحمل دلالات تتعلق بطبيعة الصراع واتجاهه في المرحلة المقبلة.
وبحسب ما أعلنه الجيش السوداني، فقد استعادت قواته السيطرة على أم سيالة، ورهيد النوبة، وأم قرفة، وجبرة الشيخ، قبل أن تعلن دخول مدينة بارا، وهي من أبرز مدن الولاية وأكثرها أهمية من الناحية العسكرية. ورغم أن تفاصيل المعارك في السودان كثيرًا ما يصعب التحقق منها بصورة مستقلة في ظل ظروف الحرب، فإن المؤكد أن شمال كردفان أصبح يشهد تغيرًا ميدانيًا يستحق التوقف عنده، لأن تأثيره لا يقتصر على حدود الولاية، بل يمتد إلى مجمل مسرح العمليات في إقليم كردفان.
وتكتسب شمال كردفان هذه الأهمية من موقعها قبل أي شيء آخر. فهي تمثل حلقة الوصل بين وسط السودان وغربه، وتتشابك فيها الطرق التي تربط مدينة الأبيض بمناطق واسعة في كردفان ودارفور. ولهذا السبب ظلت الولاية هدفًا رئيسيًا للطرفين منذ اندلاع الحرب؛ فالسيطرة على هذه المحاور تعني امتلاك قدرة أكبر على تحريك القوات وتأمين الإمدادات والمحافظة على الاتصال بين الوحدات المنتشرة في جبهات مختلفة.
وتظل مدينة الأبيض محور هذه المعادلة كلها. فهي ليست العاصمة الإدارية للولاية فحسب، بل تمثل أيضًا مركزًا عسكريًا ولوجستيًا بالغ الأهمية، ومن خلالها تُدار حركة القوات والإمداد في جزء كبير من الإقليم. ولذلك، فإن أي عمليات تدور في محيطها لا يمكن النظر إليها باعتبارها معارك منفصلة، وإنما باعتبارها جزءًا من جهد أوسع يهدف إلى تأمين المدينة وإبعاد التهديد عنها.
ومن هذا المنظور، تبدو العمليات الأخيرة مترابطة أكثر مما توحي به الأخبار اليومية. فالانتقال من أم سيالة إلى رهيد النوبة، ثم أم قرفة، فجبرة الشيخ، وصولًا إلى بارا، يعكس مسارًا يسعى إلى إحكام السيطرة على محاور الحركة، وليس مجرد استعادة مواقع متفرقة. وفي التخطيط العسكري، غالبًا ما تكون السيطرة على الطرق والعقد الأرضية أكثر أهمية من السيطرة على مساحات واسعة لا تمنح أفضلية عملياتية حقيقية.
أما بارا، فتحتل موقعًا مختلفًا في هذه الصورة. فهي تقع على أحد أهم المحاور المؤدية إلى الأبيض، ولذلك فإن استقرار السيطرة عليها – إذا استمر – يمنح الجيش قدرة أكبر على تأمين خطوط الاتصال، ويزيد من مساحة المناورة، ويخلق عمقًا دفاعيًا أفضل حول المدينة. كما يمكن أن يجعلها نقطة انطلاق لأي عمليات لاحقة، بدلًا من أن تكون مجرد هدف انتهت أهميته بمجرد السيطرة عليه.