تقارير

شراء الذهب .. مخاوف من طباعة النقود

تقرير – رحاب عبدالله

من ضمن التوصيات التي خرجت من الجلسة الطارئة لمجلس الوزراء التي عقدها(الخميس) لمناقشة تداعيات الضائقة المعيشية ورفع المعاناة على المواطنين ،تحديد جهة حكومية واحدة -لم يتم الإفصاح عنها- لتقوم بشراء الذهب ، ولعله معلوم للجميع أن بنك السودان المركزي هو غالبا الجهة المعنية بذلك، غير ان عشية إطلاق هذه القرارات، هددت 23 شركة تعديت بإيقاف التعدين تدريجيا اعتبارا من 30 سبتمبر الحالي 2026 ، احتجاجا على آلية تسعير شراء الذهب المتبعة من بنك السودان المركزي.

والشاهد ان عدد من المراقبين اشاروا لفشل سياسة شراء بنك السودان للذهب التي تم تجريبها كثيرا.
*تضخم نقدي*
وفي ذلك حذر وزير التجارة السابق د.الفاتح عبدالله يوسف ، من أن تكون الجهة الموكل لها شراء الذهب وفقا لقرارات الاجتماع الطارئ لمجلس الوزراء، هي بنك السودان.
وتوقع في حديثه ل(الاحداث) فشل سياسة شراء بنك السياسة للذهب وعزا ذلك لجهة ان الشراء يتم عبر الاستدانة من النظام المصرفي بالعجز ،عبر طباعة النقود، مؤكدا ان الطباعة بالعجز هي السبب الرئيس في تراجع قيمة الجنيه السوداني وطالب بنك السودان ووزارة المالية بايقاف الطباعة بالعجز.
كما أشار لصعوبة سيطرة الدولة على الذهب الذي يأتى من التعدين الأهلي التقليدي ، وبما انهم “أهالي” رأى انه المفروض تكون هناك أسواق أهلية هي التي تشتري الذهب بالجنيه السوداني الذي لا يؤثر في السوق لأنه اصلا عملة وطنية متداولة بنسبة السيولة الموجودة وهذا داخل السودان،واكد الجهات المقصودة بشراء الذهب هي بنك السودان ولكنه الى ان خطورة ذلك تكمن في ان السيولة الموجودة لديه لا تكفي لشراء كميات الذهب الكبيرة من الإنتاج الاهلي.
مشيرا إلى ان الذهب المقصود جله يأتى من التعدين الأهلي التقليدي ، لذا نوه لصعوبة تحكم الدولة في هذه الفئة (المعدنين) لجهة انه في مناطق بعيدة عن سيطرة الدولة، بيد انه اكد انه يمكن للدولة تأمين الوضع لهم صحيا وتأمين المناطق بحيث يعملون بكل أريحية وانضباط، وبما انهم “أهالي” رأى انه المفروض تكون هناك أسواق أهلية هي التي تشتري الذهب بالجنيه السوداني الذي لا يؤثر في السوق لأنه اصلا عملة وطنية متداولة بنسبة السيولة الموجودة وهذا داخل السودان،واكد الجهات المقصودة بشراء الذهب هي بنك السودان ولكنه الى ان خطورة ذلك تكمن في ان السيولة الموجودة لديه لا تكفي لشراء كميات الذهب الكبيرة من الإنتاج الاهلي ، مضيفا ان هنالك شركات امتياز لديها عقود مع الدولة استثمارية موزعة نسبها بنسبة 70% للشركات لها حرية التعامل معه سواءا تصديره أو تخزنه والعائد من ذلك لهذه الشركات ، و30% للدولة تشتريه منهم .
وبرر فشل بنك السودان عند دخوله للشراء ، بسبب انه سيتجه لطباعة عملة بالعجز ، بالتالي يحدث تضخم نقدي، مضيفا انه كلما حدث تضخم نقدي يكون سعر الصرف في السوق غير حقيقي ، ورأى د.الفاتح انه يفترض يكون المقصود هنا بان يدخل بنك السودان كمسهلا لعملية الصادر في حالات معينة لتأتي عوائد الصادر من عملة أجنبية، ام يمكن لبنك السودان توجيه شركاته الخاصة او شركات الجهات الأخرى لشراء الذهب وايداعه في بنك السودان كودائع ما عده هنا يسهل مسألة سعر الصرف ومعالجة مشاكل السوق الموازي للعملات.
*حرب اقتصادية*
وبما انه في البال ان هذه السياسة تم تجريبها وفشلت ، رأى د.الفاتح انه هيكلة اقتصاد الدولة لا تتم بالطريقة التي يتم التعامل بها حاليا خلال مرحلة الحرب، واردف”الاقتصاد في السودان اصلا لديه مشكلة في الهيكلة فبالتالي لضبط الأمر لابد اولا من هيكلة الاقتصاد ثم تحدد اي نوع من الاقتصاد يمكن المضي به ،هل هو اقتصاد حر، مختلط أو إسلامي أو مشترك بين الرأسمالي والإسلامي أو اشتراكي ، مشيرا إلى أن السودان لديه تنوع في الاقتصاديات بالنسبة للمناطق والبيئات ،ولدينا اقتصاد موازي واقتصاد خفي غير منظور غير ، ومعروف أن السودان أكبر دولة في العالم لديها اقتصاد موازي ، لذلك الاقتصاد الداخلي لم يتأثر خلال فترة الحرب ، لكن د.الفاتح أوضح أن الان جاءت المشكلة الاقتصادية لأن الحرب ليست حرب ميدانية فقط،بل حرب اقتصادية من الدرجة الأولى موجهة ضد المواطن وليس ضد الدولة فقط، مؤكدا أن توالي الزيادات في الأسعار بسبب انهم فشلوا في حرب الميدان ،مضيفا انه حينما كان وزيرا للتجارة طالب محافظ بنك السودان برعي الصديق في بداية الحرب من استبدال العملة فورا وقال ذلك مرارا في مجلس الوزراء لان العملة تفشت في الأسواق وعند مليشيا الدعم السريع لانه تم نهب أموال كبيرة خاصة بنك السودان بالتالي زاد سعر الصرف والدولار وتراجع الجنيه السوداني.
وختم الوزير حديثه بتأمينه على فشل سياسة شراء بنك السودان للذهب وتوقع فشلها الان وعزا ذلك لجهة انه يتم عبر الاستدانة من النظام المصرفي بالعجز عبر طباعة النقود مؤكدا ان الطباعة بالعجز هي السبب الرئيس في تراجع قيمته وطالب بنك السودان ووزارة المالية ايقاف الطباعة بالعجز.
*تحديد آلية الشراء*
وشدد الخبير الاقتصادي د.محمد الناير على انه يفترض من الدولة قبل 30 سبتمبر الحالي ، تنسيق اجتماع مشترك عبر رئيس الوزراء يضم وزارة المعادن والبنك المركزي ووزارة المالية والشركات التي رفعت المذكرة الخاصة في مجال التعدين مع الجهة الحكومية التي سيتم تكليفها بمهمة الشراء ويتم الوصول إلى طريقة شراء الذهب بحيث تحقق المصلحة للجميع للاقتصاد السوداني وشركات التعدين والاتفاق حول آلية الشراء وآلية التسعير ، واجتماعات دورية لتقييم الأسعار اذا حدثت متغيرات.
أزمة ثقة*
ورأى الخبير المصرفي وليد دليل، انه حين تعلن 23شركة تعدين واستثمار، تمثل نحو سبعة عشر بالمائة من إجمالي إنتاج الذهب في السودان، عزمها التوقف التدريجي عن الإنتاج اعتباراً من نهاية سبتمبر الجاري وصولاً إلى توقف شامل مطلع أكتوبر، فإن ذلك لا يمكن قراءته كخلاف تجاري عابر بين منتجين وجهة تنظيمية، بل كمؤشر على تصدع حقيقي في العلاقة بين السياسة النقدية وأهم قطاع مُصدِّر يملكه الاقتصاد السوداني في ظل الحرب. فالذهب، الذي بات يشكل الرافعة شبه الوحيدة لتدفقات النقد الأجنبي بعد انهيار قطاعات التصدير الأخرى، يواجه اليوم أزمة ثقة من داخل صفوف منتجيه أنفسهم، لا من خصوم السياسة النقدية أو منتقديها الخارجيين.
مبينا ان جوهر الشكوى التي رفعتها الشركات إلى وزير المعادن ومدير شركة الموارد المعدنية يتلخص في أن منشورَي البنك المركزي رقم 11 لسنة 2026 ورقم 2 لسنة 2025 يفرضان آلية تسعير لا تعكس القيمة الاقتصادية الفعلية للذهب، وتُحمّل المنتج أعباء اختلالات سوق الصرف والتضخم بدلاً من أن تحميه منها، فضلاً عن تأخر سداد المستحقات المالية بسبب أعطال مصرفية متكررة. واكد دليل ان هذه الشكوى، حين تُقرأ في سياقها التاريخي، ليست جديدة على قطاع الذهب السوداني، بل هي الحلقة الأحدث في سلسلة طويلة من التعديلات المتلاحقة على سياسات الشراء والتصدير امتدت من منشور 2018 إلى منشور مايو 2026 الذي اعتمد تسعيراً يومياً للذهب باقتطاع عشرة دولارات للأونصة من السعر العالمي لعيار أربعة وعشرين، مروراً بمنشورات نوفمبر وسبتمبر 2025 التي تناقضت في قرارها بشأن السماح بالتصدير من عدمه خلال أشهر قليلة. وقد حذر خبراء اقتصاديون مراراً من أن كثرة هذه المنشورات المتضاربة، بدلاً من أن تضبط السوق، تزيد من التعامل في القنوات غير الرسمية بسبب الفجوة السعرية بينها وبين القنوات الرسمية، وهو ما يفسر جزئياً لماذا لا يمر عبر القنوات الرسمية سوى ستين بالمائة فقط من صادرات الذهب السودانية حتى قبل هذا التصعيد الأخير. وكل منشور جديد، كما لاحظ أحد المحللين، يكشف ضمنياً عن إخفاق المنشور الذي سبقه.
واردف دليل ان المنطق الاقتصادي وراء اعتماد البنك المركزي لآلية تسعير مقتطعة من السعر العالمي مفهوم من حيث المبدأ ان البنك يحاول ضمان هامش تفضيلي يشجع المصدرين على تسليم حصيلتهم عبر القنوات الرسمية بدلاً من تهريبها، مع تعظيم موارد النقد الأجنبي المتاحة للدولة في وقت تشتد فيه الحاجة إليها. لكن المشكلة تكمن في أن هذه الآلية صُممت أصلاً في بيئة سعر صرف نسبياً مستقرة، وحين يتجاوز التضخم السنوي واحداً وخمسين بالمائة وينهار الجنيه بالوتيرة التي نشهدها اليوم، بالتالي فإن أي خصم ثابت من السعر العالمي، محسوباً بالدولار، يتحول تلقائياً إلى عبء متصاعد على المنتج كلما تدهورت قيمة الجنيه الذي يُصرف به جزء من مستحقاته أو تتأخر معه دورة السداد.
وأوضح دليل ان التداعيات المحتملة لتوقف هذه الشركات، إن تحقق فعلياً، تتجاوز بكثير حجم حصتها الظاهري البالغ سبعة عشر بالمائة. فقطاع الذهب يمثل اليوم العمود الفقري لتدفقات النقد الأجنبي الرسمية للبلاد، وأي انكماش فيه، خصوصاً من الشركات المنظمة العاملة عبر القنوات الرسمية أصلاً، سيدفع مزيداً من الإنتاج نحو التهريب والأسواق غير الرسمية التي تستوعب بالفعل نسبة كبيرة من الإنتاج الكلي، مما يقوّض الهدف الذي صُممت من أجله آليات التسعير هذه أصلاً.
*تداعيات تهريب الذهب*
والشاهد ان السبب في ذلك هو تزايد تهريب الذهب وتداعياته على الاقتصاد السوداني،عقب تراجع حجم عائدات إنتاج الذهب المصدر عبر القنوات الرسمية في السودان إلى 909.57 مليون دولار حتى سبتمبر 2025، مقارنةً بــ2.09 مليار دولار خلال العام 2021، وأظهرت تقارير صادرة عن وزارة المعادن وبنك السودان وصول نسبة تهريب الذهب إلى 90% من إجمالي الإنتاج الكلي خلال العام الماضي 2025، وكشف تقرير رسمي عن انخفاض نسبة الصادر من إجمالي الإنتاج الكلي من 99% عام 2020 حيث بلغ الصادر 25.02 طن من أصل 25.2 طن إلى 22% فقط حتى سبتمبر 2025 (صادر 11.7 طن من أصل 53.5 طن).
ولم تعلق الحكومة على تراجع حجم عائدات انتاج الذهب المصدر عبر القنوات الرسمية الا ان وزير المعادن نور الدائم طه قال أن مواجهة هذه الظاهرة( التهريب) لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية وحدها، بل تتطلب رؤية شاملة تجمع بين إصلاح السياسات وتقديم حوافز مشجعة للمصدرين، ويؤكد أن وزارته تعمل على صياغة نهج متكامل يوازن بين ضبط الأسواق والحد من التهريب، وفي الوقت نفسه تشجيع المنتجين والمصدرين عبر سياسات مرنة وحوافز عملية، بما يضمن استقرار قطاع التعدين وتحويله إلى رافعة اقتصادية حقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى