ثقافة وفنون

سهام بدر.. مسرحية صاغت وجدان الدراما السودانية بروح الشاعرة

الاحداث:ماجدة حسن
عند استحضار محطات العصر الذهبي للدراما السودانية، تتصدر القائمة قامات إبداعية حفرت أسماءها في الذاكرة الوطنية بأداء يتجاوز حدود التمثيل التقليدي، لتتحول مشاركاتها إلى حالة من الالتحام الإنساني والثقافي مع المشاهد. وتبرز في صدارة هذا المشهد الفنانة والدرامية سهام بدر، كنموذج استثنائي للفنانة المثقفة الملتزمة التي جمعت بين الموهبة الأصيلة، والتأسيس الأكاديمي الصارم، والحس الأدبي المرهف، مما أضفى على تجريتها حضوراً مهاباً ورصيداً زاخراً بالتقدير الجماهيري والنقدي.
لم يكن انتماء سهام بدر لعالم الفن نتاج مصادفة، بل جاء امتداداً طبيعياً لشغف مبكر تجسد في مرحلة الطفولة عبر ممارسة هواية الرسم ومحاولات صياغة الشعر. ومع انتقالها إلى المرحلة المتوسطة، بدأت ملامح موهبتها التمثيلية في التبلور، ليتخذ هذا الشغف مساراً منهجياً حاسماً بعد التحاقها بكلية الموسيقى والدراما بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا. وشكلت هذه المحطة الأكاديمية مرتكزاً أساسياً في صقل موهبتها وتعميق رؤيتها الإنسانية والفنية، مما جعلها تخوض الساحة الإبداعية وهي تمتلك أدوات المعرفة والوعي بوظيفة الفن ورسالته المجتمع.
وشهدت حقبتا التسعينات والألفينات بزوغ نجم سهام بدر كواحدة من أبرز الوجوه التي رفدت الحركة الفنية السودانية بالقيم التعبيرية الرفيعة في وقت كانت فيه الدراما تعيش قمة عطائها وزخمها الإنتاجي. وقدمت على خشبة المسرح القومي بأم درمان عروضاً مسرحية متميزة أثبتت قدرتها على إدارة المساحة المسرحية بحرفية عالية وتفاعل حي، وكان من أبرز تلك الأعمال مسرحية “عرس أبو الدرداق” ومسرحية “لوري المعاش”، اللتان عكسات قدرتها الفريدة على تجسيد الشخصيات المركبة والتعامل مع النصوص المسرحية بحس درامي متجدد.
وفي الوقت الذي أثبتت فيه أقدامها على الخشبة المسرحية، امتد تألقها إلى التلفزيون عبر أدوار اتسمت بالعمق والرزانة في عدد من المسلسلات التي تركت أثراً خالداً في وجدان المشاهد السوداني، ومنها “ناس الحلة”، و”زينب نبع لا ينضب”، و”النقيض”، و”دار المطلقات”. ولم تكن مشاركاتها التلفزيونية والمسرحية رهن السعي وراء الظهور المجرد، بل كانت قائمة على معيار الدقة والانتقائية للأدوار التي تحمل قيمة فكرية وإنسانية وتلامس هموم المجتمع وقضاياه.
تتجاوز تجربة سهام بدر الحدود التمثيلية لتلتقي بعالم الكلمة والشعر؛ إذ عرفت بشغفها بالأدب وصياغة القصيدة والغنائيات، وهو ما أضفى على أدائها التمثيلي إيقاعاً وجدانياً خاصاً ولغة جسد تنبض بروح الشاعرة. وتظل سهام بدر علامة فارقة في تاريخ الدراما السودانية، ومثالاً صريحاً للمبدعة التي ساهمت في ترسيخ هوية الفن السوداني وإعادة الهيبة للمسرح والشاشة الصغرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى