رأي

سكاي نيوز عربية: الانحراف إلى نسخةٍ مشوَّهة من مدرسةٍ إعلامية دولية

مجدي محمد علي

منذ انطلاقها، قُدِّمت “سكاي نيوز عربية” على أنها امتدادٌ مهني لمدرسة “سكاي نيوز” البريطانية، التي بنَت سمعتها بدرجةٍ كبيرة على التماس التوازن، والصرامة التحريرية، والفصل بين الخبر والرأي قدر الإمكان.

غير أن المتابع للمسار التحريري للنسخة العربية، وخاصةً في تغطيتها الأحداث الإقليمية، لا بُدَّ أنه قد رصد انزلاقًا حادًا انتهى بها إلى ما يُشبه نشرةً رسمية إماراتية. وقد جاء هذا التحوُّل في وقتٍ كان يُفترَض أن ترسِّخ القناة أقدامها ضمن ساحةٍ تنافسية عربية محتدمة تتباين فيها القنوات الإخبارية في زوايا المعالجة وأساليب التقديم، لكنها تلتقي نظريًا على الأقل عند حدٍّ أدنى من المهنية في مخاطبة المشاهد العربي والتعاطي مع الشأنين الإقليمي والدولي.

لم يعُد هذا الانحراف خجولًا أو قابلًا للتأويل، بل أصبح يعلن عن نفسه في العناوين قبل المتون. يكفي أن نتأمَّل عنوانًا مثل: “في إيران الموت يبحث عن القيادات في جحورهم” ضمن فقرة “في السياق”.

هذا خطابٌ لا يمكن بأيِّ معيارٍ مهني أن يصدر عن قناةٍ تدَّعي الموضوعية، وتسعى إلى التموضع ضمن هذا الفضاء التنافسي؛ إذْ تختفي عنده الحدود بين الخبر والرأي، وتخرج المادة من حيِّز الصحافة إلى نطاق الدعاية. ويبدو أن القائمين على النسخة العربية قد راهنوا خطأً على أن الشراكة بالمال يمكن أن تشفع لمثل هذا الخروج عن خطِّ المهنية، أو تخفِّف من كلفته على مستوى السمعة والمصداقية.

قد يكون صدور مثل هذا الخطاب مفهومًا من قناةٍ إماراتية صريحة التوجُّه، مستقلةً بالاسم والانتماء، لكنه يبدو نشازًا في حالة نسخةٍ رديفةٍ مشروطة تنتمي إلى مدرسةٍ إعلامية دولية تحاول الحفاظ على الحدِّ الأدنى من الرصانة.

ولعلَّ المقارنة بقناة الجزيرة تكشف حجم التدهور بوضوحٍ أكبر؛ فرغم أن الجزيرة مملوكة لدولة قطر، ورغم ما يشوب علاقة الدوحة بطهران من توتراتٍ وتعقيداتٍ لا تقلُّ عمَّا لدى غيرها من دول الجوار، فإن تغطيتها غالبًا ما تلتزم بخيطٍ رفيع من الانضباط المهني. ففي تناولها لمقتل علي لاريجاني، على سبيل المثال، حرصت الجزيرة على تفادي ما قد يُفهَم على أنه استفزازٌ للرواية الإيرانية، فلم تصف الحدث بـ”القتل” أو “الاغتيال”، بل آثرت نقل توصيف “الاستشهاد” كما ورد في الخطاب الإيراني، واضعةً الخبر في سياقه كما يراه أصحابه، لا كما تفرضه هي. بهذا الأسلوب، حافظت القناة على مسافةٍ مهنية توازن بين نقل الخبر ومراعاة حساسيته السياسية.

لكن يجب أن نعترف أن هذه ليست حالةً استثنائية في الإعلام، بل هي القاعدة التي تحكُم كثيرًا من غرف الأخبار حين يضعف الالتزام المهني أمام سطوة الملكية؛ إذْ لا تبحث إدارات التحرير في الغالب عن الحقيقة، بل عن رضا الكفلاء. غير أن ما فعلته “سكاي نيوز عربية” يتجاوز مجرَّد الخضوع الطوعي لإرادة المُلَّاك ليصل إلى حدِّ الإفراط في إرضائهم على حساب المهنية والسمعة؛ فقد بلغ أداء إدارتها التحريرية ومذيعيها مستوى متقدّمًا من التماهي مع الخط السياسي الإماراتي حتى أصبح ذلك جزءًا لا يتجزأ من هُويَّتها.

وفي هذا الصدد، لا يمكن تجاهل ما قدََّمته الإعلامية تسابيح خاطر في تقريرها الفاضح من الفاشر، الذي يمثِّل ذروة الانحراف المهني والقشَّة التي قصمت ظهر الشراكة بين “سكاي نيوز” الأُم ونسختها العربية. لم يكن ذلك التقرير مجرَّد سقطةٍ، بل هدمًا للمعبد من الداخل؛ إذْ لوى عنق الحقائق بشكلٍ صارخ، وتعدَّى الخطوط الإنسانية، وتجاوز حقوق الضحايا، وحوَّل العمل الصحفي إلى أداةٍ للترويج السياسي على حساب الواقع والضمير.

في تقديري أن مجرَّد إعلان نيَّة سحب الترخيص أحدث ضررًا بالغًا لا يمكن جبرُه؛ فقد فات أوان أيِّ استدراكٍ بعد أن بدَّدت القناة ثقة المشاهد العربي، الذي بات أكثر وعيًا وتعدُّدًا في مصادره، ولم يعُد يتلقَّى الرسائل الإعلامية على أنها حقائق مطلقة، بل يقرأها في سياقها السياسي.

الدرس الأبرز هو أن توخِّي الحياد، ولو شكليًّا، ليس مستحيلًا حتى في الإعلام المملوك للدول، لكنه يتطلَّب إرادةً تحريرية صلبة. أمَّا “سكاي نيوز عربية”، فقد اختارت الانحراف عن جادَّة المهنية، فصارت نسخةً مشوَّهة من مدرستها الأصلية بفعل طغيان مُداهنة الكفيل على التمسُّك بالحقيقة وصون السمعة الصحفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى