تفكيك بنيوي لارتدادات الاتفاق الأمريكي-الإيراني المفاجئ، والمأزق الجيوسياسي لعقيدة الرهان المطلق على المظلة الحمائية لواشنطن.
تحليل: د. محمد زيدان خفاجي
باحث في العلاقات الخليجية-الإيرانية والسياسات الدولية
mohammedzidan89@gmail.com
تهاوي المظلة النفعية والاستيقاظ على حقيقة “العرى الجيوسياسي”:
لم تعد عقائد الأمن الإقليمي المبنية على الرهان المطلق على القوى العظمى صالحة لإدارة حافة الهاوية في الشرق الأوسط، بل استيقظت العواصم الخليجية اليوم على حقيقة تاريخية قاسية أثبتت عملياً أن المصالح الجيواقتصادية لواشنطن تعلو فوق بروتوكولات الحماية التقليدية. من منظور أداة التحليل الجيوسياسي، يمثل الانتقال الدراماتيكي السريع من ليلة الغارات والمقذوفات البالستية إلى إعلان تفاهمات “سويسرا” الرقمية وبدء تسييل حركة الناقلات في مضيق هرمز فجر اليوم، صدمة بنيوية لصانع القرار الخليجي الذي شَهِد كيف قفزت إدارة ترامب فوق حسابات حلفائها التاريخيين لتبرم صفقة سريعة تضمن استقرار أسواق الطاقة وتراجع خام برنت إلى 84 دولاراً للبرميل لحماية اقتصادها الداخلي. إن هذا السلوك الراديكالي النفعي للبيت الأبيض يثبت صدق المقولة السياسية السائدة بأن “المتغطي بأمريكا عريان”؛ حيث سارعت واشنطن لمقايضة أمن الإقليم واستقراره الطويل الأمد بهدنة تقنية مدتها 60 يوماً تضمن نزع السلاح النووي التكتيكي لإيران عبر بند “تدمير اليورانيوم”، مقابل ترك الجغرافيا الخليجية مكشوفة في مواجهة نفوذ إيراني متصاعد نجح في تدويل كلفة المعركة وخنق الممرات المائية لانتزاع شرعيته بالأمر الواقع، مما يضع أمن الخليج أمام حتمية تاريخية للتخلي عن الأوهام الغربية وصياغة مقاربات دفاعية ذاتية قوامها البراغماتية المباشرة مع الجار اللدود.
اندفاعة “التحوط الإستراتيجي” وهندسة التعايش مع الفائض الإيراني:
هذا الانكشاف المفاجئ لن يدفع العواصم الخليجية نحو الاستسلام، بل سيعجل بحسم خياراتها نحو ما يُعرف في العلوم السياسية المتقدمة بـ “التحوط الإستراتيجي الشامل وموازنة المخاطر الحتمية”. ووفقاً لاقتراب تحليل النظم، ستتجه دول مجلس التعاون الخليجي بقوة نحو تصفير الأزمات البينية وفتح قنوات اتصال أمنية ودبلوماسية مباشرة مع طهران برعاية من “الظهير الأوراسي” (بكين وموسكو)، لضمان بناء كوابح وضمانات متبادلة تحمي البِنية التحتية والمنشآت النفطية من أي جولات تصعيد مستقبلية؛ إذ باتت القناعة راسخة بأن الطريق الأقصر لتأمين مياه الخليج يمر عبر التفاهم المباشر مع بندر عباس وليس عبر وعود البنتاغون المتطايرة مع أول رغبة أمريكية في الانسحاب.
التصدع الصهيوني وعزلة “الاتفاقيات الإبراهيمية” تحت النار:
وفي الشق السياسي والدبلوماسي، يعمق هذا التحول من شرخ الائتلاف (الصهيوني-الأمريكي)؛ فبينما يخرج بنيامين نتنياهو معلناً تمسكه بـ “مهمة حياته” في ضرب منشآت طهران وتفخيخ اتفاق سويسرا من بوابة جنوب لبنان، تدرك دول الخليج بوعي نقدي عميق أن الانجرار خلف المغامرات العسكرية لتل أبيب سيعني تحويل أراضيها إلى ساحة تصفية حسابات كبرى، مما سيفرض جموداً هيكلياً على مسارات التطبيع العسكري، رغبةً في النأي الكامل بالنفس عن صراع وجودي صهيوني-إيراني تخلت فيه واشنطن عن حلفائها رسمياً.
بين براغماتية الجغرافيا ومآلات النظام الإقليمي الجديد:
في التحليل الأخير، يبرهن بدء سريان الاتفاق الرقمي وبدء عبور السفن للمضايق الملتهبة، على أن المنطقة ولجت طور نظام أمني جديد صاغته الطائرات المسيّرة الانقضاضية وفرضته حسابات الجغرافيا الثابتة. ومع شحن الأوراق الدبلوماسية استعداداً لقمة الجمعة في سويسرا، يبقى التساؤل الإستراتيجي الحرج معلقاً فوق طاولة صانع القرار: هل ينجح الخليج في استثمار مهلة الشهرين القادمين لصياغة ميثاق أمني إقليمي مشترك يحجم الطموح الإيراني، أم أن لغة المصالح المؤقتة للقوى العظمى ستترك المنطقة تدير أزماتها بالقطعة تحت وطأة معادلات القوة الجديدة المكتوبة بالحديد والنار؟
16/06/2026