العميد م. د. محمد الزين محمد
عرفته منذ زمنٍ بعيد… كان ذلك في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، حين جمعتنا جوبا، ثم قادتنا المهمات إلى أدغال الاستوائية، في تلك الغابات التي لا تعرف الرحمة، والممرات التي لا تمنح العابرين فرصة للخطأ.
كنّا يومها في صحبة القائد الفذ، والجنرال العظيم، اللواء محمد الراضي نصر الدين — أسبغ الله عليه نعمة الشفاء وأحاطه بعنايته وحفظه — قائد المنطقة الشرقية )في ذلك الحين(، وهو أول قائد عسكري قام بالتطواف على وحداته جميعاً، من أدغال “مريدي” حتى تخوم “ياي”، زارها جندياً بين جنوده، وضابطاً حاضراً في الخطوط، وقائداً لا يتردد في التقدُّم. له معنا قصة طويلة يطول الحديث عنها الآن، ولكنها شاهدة على عظمة زمان ورجال. وكان لا يذهب إلى جنوده خالي الوفاض، بل يحمل معهم الهدايا العينية والميدانية، يوزّعها بنفسه على الجنود، ليبعث فيهم الأمل، ويرفع من معنوياتهم، ويؤكد لهم أنهم ليسوا وحدهم في الميدان.
وكان ضابط الارتباط حينها بين القيادة والوحدات الميدانية هو فيصل مختار الساير، الشاب النشيط المتقدّ حيوية، الذي طاف معنا كل تلك الأدغال. ولعلّه، اكتسب شيئًا من صفاته.
في تلك الرحلة، تعرّفت على فيصل مختار الساير، وكان حينها ضابطاً شاباً، يحمل في ملامحه الجدّية، وفي خطاه الثبات، وفي عينيه بريق الطموح. ما ميّزه حقاً هو إخلاصه وانضباطه، وهدوؤه المتّزن الذي يخفي تحته روحاً مقاتلة لا تعرف الوهن. كان بسيطاً، ودوداً، يُشعرك بالراحة من أول لقاء، ومن أولئك الذين تؤلفهم النفوس وتحبهم القلوب. رجل من الناس، وفيٌّ لأهله، مخلصٌ لوطنه، صادقٌ مع نفسه.
تعود جذور الساير إلى مدينة الفاشر العريقة، ومن قبيلة الزغاوة ذات الإرث المقاوم، وقد كانت وحدته الأم هي الشرقية، فانعقد حبها في قلبه، وصارت له وطناً ثانياً، لا لأن فيها جذوره، بل لأنها شكّلت بداية مسيرته في الميدان العسكري، ومصنع انطلاقه نحو الساحات الكبرى.
ومن هناك، بدأ رحلته الطويلة في دروب السودان المترامي… قاتل في الشمال والجنوب، وشارك في معارك ما قبل انقسام السودان وبعده، وجاب البلاد شرقاً وغرباً، يحمل بندقيته ورايته، ويزرع في كل شبر من ترابها بذور الوفاء.
واليوم، بعد كل تلك السنين، تولى قيادة الفرقة 14 مشاة في كادقلي، وكتب فصلاً جديداً من فصول البطولة، حين فكّ الحصار عن المدينة، والتحم مع أسود الدلنج، وأعاد للناس الأمل في أن النصر لا يُشترى، بل يُنتزع، وأن العزيمة أقوى من كل الحصارات.
هو من الدفعة 40، الدفعة التي أنجبت العديد من القادة والشهداء، أولئك الذين سلكوا طريق الشرف حتى منتهاه. ومثله، لا يتقاعد من الواجب، ولا يغادر الميدان إلا ليعود إليه من جديد. لقد صار فيصل مختار الساير عنواناً للثقة، ومصدر “فالٍ” طيّب بين جنوده، ومبعث أملٍ في قلوب السودانيين كلهم. وما زال الناس ينتظرون منه الكثير… الكثير.
ينتظرون حكمته في القرار، وصلابته في القتال، ووفاءه للمبدأ، وإخلاصه للراية. فإن كان قد كتب نصراً في كادقلي، فإن ما تبقّى من المعارك لا يقل أهمية، والتحديات المقبلة لا تحتاج إلى قائد فقط، بل إلى فارسٍ صادقٍ مثله، يحمل في قلبه خريطة الوطن، وفي يده ميزان النصر.
ذلك النصر لم يكن صدفة، بل كان ثمرة عقلٍ استراتيجي، وقيادة ميدانية شجاعة، وقدرة على قراءة اللحظة الحرجة. ففي حين كانت كادقلي تُصارع خناق العدو، كان هو يُحكم خططه بصبر وحكمة، حتى تمّ الالتفاف وضُرب الحصار من داخله، وسُجلت صفحة جديدة في تاريخ المواجهة.
تراه إلى الهيجــاء أول راكــب
و تحت صبير الموت أول نـازل.
فيصل مختار الساير هو صورة من صور الجندية السودانية النقية، التي تتحد فيها الأرض والراية والدم، ويُصنع فيها النصر بسواعد الرجال لا بشعارات الخُطَب.