رأي

دارفور بين الذاكرة القبلية وأمل الوطن – الذي كاد ان يختطف 3/3

في التفكير الاستراتيجي- للعشرين سنة القادمة

إلى مجلس السيادة والوزراء

بقلم: إبراهيم إسماعيل (3/3)

فقد بقي الولاء القبلي، والإطار الأسري هو الحاكم للعلاقات، في اقليم دارفور لأكثر من نصف قرن فلم تستطيع الحكومات

 وأحزابها في ترسيخ انتماء وطني، حيث تأثير القيادات الأهلية أقوى من المؤسسات الرسمية بالاقليم

كما أُديرت كثير من القضايا وفق الأعراف (القبلية) مما أضعف سيادة حكم (القانون) وكرّس أنماطًا متفاوتة من العدالة. وامتدت القبلية إلى فضاءات كان يُفترض أن تكون حواضن للوحدة، مثل الجامعات، حيث انتشرت الروابط الجهوية والقبلية بدلًا من أن تكون الجامعة بوتقة للانصهار الوطني. وكأنما تؤكد لهم الجامعة أهمية توجهاتهم الجهوية والقبلية، فاختارت (الأحزاب) رؤساءها في إقليم دارفور وفق “الثقل القبلي” لا (الكفاءة) باستثناء بعض الأحزاب (الحديثة)

غياب “العقل الاستراتيجي” للدولة

في قلب هذه الأزمة يبرز غياب التفكير الاستراتيجي و”المؤسسة الاستراتيجية” التي تمثل العقل الجمعي للدولة، أو ما يمكن وصفه بـ”القلب النابض” لنهضة السودان. فالأحزاب، رغم تعددها، لا تمتلك أهدافًا متفقًا عليها، وحتى مبدأ التداول( السلمي) للسلطة وقيام حكومة( مدنية )لا يكفي في غياب المشروع (الوطني)

نداء إلى القيادة السياسية

إذاً، إن الحاجة الحقيقية تتمثل في إنشاء مؤسسة استراتيجية مستقلة تعبّر عن إجماع (وطني) تشارك فيها الأحزاب والجامعات ومراكز الدراسات، وتُعنى بالإجابة على سؤال محوري:

كيف نريد السودان خلال العشرين عامًا القادمة؟

اقتصاديًا، وتعليميًا، وصحيًا، واجتماعيًا.

يا سعادة رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان،

وسعادة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس…

غير أن جوهر المسألة لا يكمن في إنشائها فحسب، بل في حمايتها من تقلبات السياسة. ويتحقق ذلك عبر إطار دستوري ملزم، وقانون يضمن استقلاليتها، وتمثيل متوازن، وآليات شفافة للمساءلة، مع ربطها بالأجهزة التنفيذية دون إخضاعها لها.

وليس المطلوب خطة “خمسية” يا سعادة رئيس الوزراء.

نحو بيئة قانونية عادلة

كما تبرز أهمية سنّ قوانين وتشريعات واضحة تُجرّم خطاب الكراهية والعنصرية، حتى لا يتكرر ما حدث في محلية دلقو، لما لهما من أثر مباشر في تأجيج الصراعات وتقويض السلم الاجتماعي، على أن تُطبّق هذه القوانين بعدالة وحياد دون استهداف أو انتقائية.

وبالتوازي، تبرز الحاجة إلى وضع وصف وظيفي دقيق للقبيلة وإدارتها التقليدية (الإدارة الأهلية)، يحدّد أدوارها بما يتماشى مع واقع السودان. فإن تنظيم العلاقة بين الدولة والإدارة الأهلية لا يعني إقصاءها، بل توجيهها لتكون عنصر استقرار ودعم للنظام العام، لا بديلًا عنه.

الاقتصاد الوطني والمؤسسات الاستراتيجية

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى نماذج وطنية كان يُفترض أن تمثل جزءًا من هذا “العقل الاستراتيجي المحروس”، مثل شركة زادنا، التي تعكس في أصل فكرتها توجهًا نحو بناء اقتصاد إنتاجي داعم للدولة. غير أن مثل هذه المؤسسات تحتاج إلى تحصين حقيقي بإبعادها عن المحاصصة السياسية والتجاذبات، حتى تؤدي دورها بكفاءة واستقلالية، وتتحول إلى رافعة تنموية لا أداة للصراع.

 المشروع الوطني الغائب

فبدون هذا “التفكير الاستراتيجي المحروس”، وبيئة قانونية عادلة تضبط الخطاب العام وتنظم الأدوار، ستظل الحكومات تبدأ من الصفر، وتعيد إنتاج الأزمات نفسها.

إن بناء السودان لا يحتاج فقط إلى حكومات، بل إلى مشروع وطني—هذا الذي سأل عنه الكاتب الصحفي عثمان ميرغني (السياسيين) ولم يجد الإجابة.

والمشروع الوطني يمثل إجماع السودانيين حول استراتيجية لعشرين سنة قادمة، تحدد ملامح السودان اقتصاديًا، واجتماعيًا، وصحيًا، وتعليميًا، وتنمويًا، وثقافيًا، ورياضيًا، وإعلاميًا؛ يعيد تشكيل الوعي من القبيلة إلى الوطن، ويجعل من التنوع مصدر قوة لا سببًا للصراع وتقسيم السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى