د. ياسر محجوب الحسين
ظهور قائد تمرد مليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، في كمبالا لم يكن حدثا دعائيا عابرا، بل بدا أقرب إلى محاولة إنقاذ صورة تتآكل تحت ضغط الهزائم الميدانية، لا سيما في جنوب كردفان. فالمليشيا التي راهنت على الصدمة والانتشار البرقي وجدت نفسها في حرب استنزاف طويلة أنهكت خطوط إمدادها وبددت أسطورة “الدعم السريع”. تقدم الجيش السوداني في كادوقلي وما حولها، واستعادته السيطرة على عدة مفازات استراتيجية، لم يكن مجرد مكسب جغرافي، بل تحول في ميزان القوة ومعنويات القتال.
التظاهرة البائسة التي نُظمت في العاصمة الأوغندية كمبالا بدت محدودة الأثر، أقرب إلى عرض رمزي لإثبات الحضور لا النفوذ. والسؤال المنطقي يفرض نفسه: لماذا كمبالا البعيدة التي لا تحد السودان، بينما كان يمكن – نظريا – إقامة ذلك في تشاد المحاذية للحدود الغربية أو في دولة جنوب السودان ذات التشابكات الأمنية؟ الإجابة تكمن في تضاؤل الخيارات الإقليمية. فالمسارات الأقرب جغرافيا لم تعد متاحة بالقدر ذاته، سواء بسبب تعثر قنوات الدعم عبر ليبيا وتشاد، أو بفعل حسابات سياسية جديدة في عواصم الجوار.
لقد تصاعدت الانتقادات الدولية للمليشيا على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم جسيمة في دارفور وكردفان، وهي اتهامات وثّقتها تقارير أممية وأصبحت عبئا سياسيا على أي دولة تفكر في دعم معلن أو استضافة صريحة. في المقابل، يراكم الجيش السوداني تقدما ميدانيا، ويقدم نفسه باعتباره مؤسسة الدولة المركزية في مواجهة التمرد، مستندا إلى خبرة تنظيمية وعسكرية طويلة. هذا التحول دفع دولا عدة إلى إعادة حساباتها، خشية الرهان على طرف قد تتراجع فرصه، أو معاداة مؤسسة تمثل عمود الدولة السودانية.
أما أوغندا، بقيادة يوري موسيفيني، فإن احتضانها لهذا الظهور لا يمكن فصله عن طبيعة نظام سياسي اعتاد توظيف الأوراق الإقليمية لتعزيز موقعه التفاوضي. غير أن هذا الاحتضان لا يمنح المليشيا عمقا استراتيجيا بقدر ما يعكس بحثها عن منصة بديلة بعد انكماش الحواضن الأقرب.
في المحصلة، لم يكن مشهد كمبالا استعراض قوة، بل إشارة إلى ضيق المساحة وتبدل المناخ الإقليمي. فعندما تضيق الجغرافيا القريبة وتتعقد الحسابات الدولية، يصبح اللجوء إلى العواصم البعيدة تعبيرا عن العزلة أكثر منه دليلا على الامتداد. وفي ظل استمرار تقدم الجيش، تبدو تلك التظاهرة علامة قلق سياسي، لا بشارة نفوذ جديد.