خالد محمد أحمد
تشير الوقائع إلى أن السودان أصبح ساحةً لاختبارات التسلُّح، وخاصةً المسيَّرات، التي تحوَّلت من أدوات استطلاعٍ محدودة إلى عناصر حاسمةٍ في الحروب الحديثة. ومع انخفاض تكلفتها مقارنةً بالطائرات المقاتلة، أصبحت أداة نفوذٍ عسكري وسياسي وتجاري للدول الصاعدة.
يتجلَّى هذا في تقريرٍ بثَّته قناة (TRT) التركية مؤخرًا عن تدمير الجيش السوداني منظومة دفاعٍ جوي صينية الصنع من طراز (FK-2000) في كردفان باستخدام مسيَّرةٍ هجومية تركية من طراز أكينجي (Akinci).
يتجاوز التقرير مجرَّد نقل الخبر إلى صناعة الرسالة؛ إذْ يمكن قراءته باعتباره توجيهًا إستراتيجيًا يكرِّس فكرة تفوُّق السلاح التركي على منظومة دفاعٍ صينية الصنع في ساحة قتالٍ فعلية. ومن أقوى أدوات الترويج والإقناع الدعائي تأثيرًا في عالم الصناعات الدفاعية أن يتغلَّب سلاحٌ على سلاحٍ منافس في المعركة.
جاء التقرير مصحوبًا بعنوانين دالَّين:
(1) الجيش السوداني يدمِّر منظومة دفاعٍ جوي للدعم السريع جنوب كردفان باستخدام المسيَّرة التركية “أكينجي”
(2) وسائل إعلام: الجيش السوداني يدمِّر منظومة دفاعٍ جوي صينية الصنع باستخدام مسيَّرةٍ هجومية تركية
لا تكمن الدلالة في سرد الواقعة العسكرية فحسب، بل التشديد على إبراز هُويَّة السلاح المستخدَم ونظيره المُدمَّر؛ فالمقابلة بين “تركية” و”صينية الصنع” لا تبدو عفويةً في تقديري، بل تشِي بإحالةٍ ضمنية إلى مفاضلةٍ بين صناعتين عسكريتين تُعاد عبرها صياغة الحدث من اشتباكٍ ميداني إلى مشهد تنافسٍ تقني.
ومن أبرز مؤشِّرات النزعة الترويجية في التقرير استخدام لغةٍ تقييمية لا تنسجم مع قواعد التحرير الإخباري في صيغتها الصارمة؛ فالخبر مِهنيًا يُبنَى على الوقائع المثبتة مع التحفُّظ في إطلاق الأحكام الوصفية بالاقتصاد في استعمال الصفات والأحوال ما لم ترِد ضمن اقتباسٍ مباشر. ومع ذلك، خلُص التقرير إلى أن المنظومة الصينية كانت “هدفًا سهلاً لمسيَّرة أكينجي”، وهو توصيفٌ تقني عسكري يتعذَّر الجزم بصحته بلا تحليلٍ مهني مستقلِّ أو شهاداتٍ ميدانية موثَّقة.
اُستُهِلَّ التقرير أيضًا بجملة: “عملية نوعية نفَّذها الجيش السوداني باستخدام المسيَّرة الهجومية التركية أكينجي”، وهو توصيفٌ يندرج ضمن الأحكام التقييمية أكثر من انتمائه إلى السرد الوقائعي.
وفي السياق ذاته، أورد التقرير أن استعمال المسيَّرة التركية عزّز موقف الجيش، إذْ جاء فيه:
“كانت المنظومة الصينية هدفًا سهلاً لمسيَّرة أكينجي ما يعزِّز بشكلٍ كبير القوة الجوية للجيش السوداني في تحييد الأهداف وإحراز تقدُّمٍ على الأرض”
لا يقتصر الخطاب هنا على توصيف الواقعة، بل يمضي إلى استنتاج آثارٍ ميدانية واسعة، مانحًا المسيَّرة دورًا حاسمًا في تعديل ميزان القوة. غير أن هذا الانتقال من الحدث إلى نتائجه الإستراتيجية يجري من دون إسنادٍ تحليلي مستقلٍّ، أو بياناتٍ ميدانية مفصَّلة، أو حتى نسبة هذا التقدير إلى مصدرٍ عسكري محدَّد.
كما أن كثافة التوصيف في هذا السياق توحي بنزعةٍ تقويمية يصعب عزلها عن هُويَّة المنصَّة الناشرة؛ فلو صدر الخطاب ذاته عن وسيلةٍ إعلامية لا ترتبط بالدولة المُصنِّعة للسلاح، لكان التحفُّظ إزاء هذا الميل الترويجي أكثر وضوحًا. أمَّا في حالة قناة (TRT)، فإن تداخل الانتماء المؤسسي مع موضوع التغطية يضعف الصرامة التحريرية، إذْ تظلُّ القاعدة البسيطة حاضرة: “مِين يِشهَد للعروسة”.
ومن الواضح أن التقرير أفاض في عرض مواصفات المنظومة الصينية بإبراز قدراتها الدفاعية ومدياتها وفعاليتها النظرية. هذا التفخيم، وإنْ بدا في ظاهره تعريفًا تقنيًا، يؤدِّي وظيفيًا في الواقع إلى تضخيم أثر تدميرها؛ فكلَّما بدا السلاح أقوى، بدا السلاح الذي دمَّره أكثر تفوُّقًا. وعلى هذا النحو يتحوَّل استعراض قدرات المنظومة الصينية إلى جزءٍ من عملية إبرازٍ غير مباشرٍ لتفوُّق المسيَّرة التركية.
ويتجلَّى القفز إلى الاستنتاج كذلك في إدارة الحوار اللاحق؛ إذْ سأل المذيع ضيفه الخبير العسكري:
“ميدانيًا، ما الذي تغيَّر على الأرض بعد هذا الاستهداف واستخدام مسيَّرة أكينجي؟”
يفترِض السؤال بصيغته هذه وقوعَ تغييرٍ ميداني سلفًا بدلًا من السؤال عمَّا إذا كان قد حدث تغييرٌ أصلًا. وهذا ما يُعرَف مِهنيًا بالأسئلة الموجِّهة، لأنها تنطوي على إجابةٍ ضمنية، وتدفع الضيف إلى تثبيتها أو البناء عليها، وتحدُّ من احتمالات التقدير البديل.
وإذا تجاوزنا مستوى اللغة إلى الدلالة الإستراتيجية الأوسع، فيمكن قراءة التقرير ضمن نمطٍ يمكن تسميته بـ”إثبات التفوُّق في الميدان”. ففي سياق الحرب السودانية وتعقيداتها المتشابكة، يصبح السودان إحدى ساحات هذا التنافس، متجاوزًا مفهوم “الحرب بالوكالة” التقليدي نحو ما يمكن وصفه بـ”إثباتٍ تقني بالوكالة”؛ فالأطراف المحلية تخوض القتال وتستخدم العتاد، بينما تراقب الدول المصنِّعة أداء أسلحتها في بيئةٍ قتالية حقيقية، ويستثمِر الإعلام النتائج في بناء سرديَّات التفوُّق. وهي ظاهرةٌ برزت بدرجاتٍ متفاوتة في نزاعاتٍ معاصرة أخرى، حيث يتحوَّل الميدان إلى مختبرٍ عملي لقياس الفعالية، وإلى مِنصَّةٍ دعائية في آنٍ واحد.
وقد لفتت تقارير ومقالات عدَّة إلى هذا المنحى ذي الطابع التسويقي، بل أشارت إلى إمكان تقديم تسهيلاتٍ في اقتناء بعض هذه الأسلحة بغرض اختبارها ميدانيًا وإبراز جدارتها العملياتية؛ على أن حضور الجانب التسويقي لا يلغي بالضرورة أهمية البُعد الجيوسياسي لتزويد الحلفاء بهذه الأسلحة.
وعلى هذا الأساس، لا يُختزَل السودان في هذه المعادلة بوصفه سوقًا للسلاح فحسب، بل بتحوُّله إلى مساحة عرضٍ حيَّة للتكنولوجيا العسكرية. ولا شكَّ أن لهذا المنحى تبعاتٍ محتملة؛ فكلَّما تحوَّلت الحرب إلى مختبرٍ لتجريب المنظومات وإثبات جدارتها، خفَّ الزخم الدولي الدافع إلى إنهائها على وجه السرعة، وبدلًا من ترجيح كفَّة خفض التصعيد، قد يُفسَح المجال لإدخال تقنياتٍ أكثر تطوُّرًا لتحسين الأداء وترسيخ السمعة التسويقية. غير أن هذا الاستنتاج يظلُّ في حاجةٍ إلى دراساتٍ أوسع وبيانات مقارنة تؤكِّده لئلا نقع في التعميم ذاته الذي أخذناه على التغطية محلَّ التقييم.