رأي

ثورة الـ USSD والشمول المالي

دكتور محمد عوض محمد متولي

​يمثل إعلان إتاحة تقنية “البيانات التكميلية غير المنظمة” (USSD) للتحويلات المصرفية عبر الهاتف المحمول في السودان منعطفاً استراتيجياً في مسار التحول الرقمي، وتجاوزاً ذكياً لعقبات البنية التحتية التقليدية التي كبلت القطاع المصرفي لسنوات طويلة. إن هذه الخطوة، وإن بدت في ظاهرها إجراءً تقنياً اعتيادياً، إلا أنها تحمل في طياتها فلسفة اقتصادية متكاملة تهدف إلى دمج الفئات العريضة من المجتمع في الدورة الاقتصادية الرسمية.

وتكتسب هذه التقنية أهميتها القصوى من قدرتها الفائقة على كسر احتكار الهواتف الذكية وتغطية الإنترنت للخدمات المالية، حيث تتيح للمستخدمين تنفيذ أعقد المعاملات من تحويلات ودفع فواتير وشراء أرصدة عبر أكواد قصيرة بسيطة تعمل على أضعف شبكات الاتصال ومن خلال أبسط أجهزة الهاتف المحمول، مما يجعلها الأداة المثلى لتحقيق الشمول المالي في بلد يتميز بتنوعه الجغرافي وتفاوت مستويات الدخل والوعي التقني بين سكانه، فهي جسر يعبر الفجوة الرقمية بين الحضر والريف وبين النخب والطبقات الكادحة.

​إن الأثر المنهجي لتطبيق هذه الخدمة يمتد ليشمل هيكلية الاقتصاد الكلي السوداني في عمقها، فهي تعمل كمبضع جراح في استئصال شأفة “اقتصاد الظل” أو القطاع غير الرسمي الذي يهيمن على جزء كبير من التداول المالي في البلاد. فمن خلال رقمنة المعاملات اليومية، يصبح من الميسور تتبع التدفقات النقدية ورصد حركة الأموال، مما يمنح صانع القرار الاقتصادي والمصرف المركزي بيانات دقيقة ولحظية لبناء سياسات نقدية فعالة، ومكافحة غسيل الأموال، وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة المؤسسية. كما تمثل هذه التقنية ترياقاً ناجعاً لأزمة السيولة النقدية المتكررة التي أنهكت المواطن والدولة على حد سواء؛ إذ إن تحول المجتمع نحو الاعتماد على “النقد الرقمي” يقلل بالضرورة من الطلب المحموم على العملة الورقية، ويخفف الضغط الهائل عن نوافذ السحب المصرفي وما يترتب عليها من تكاليف طباعة وتأمين ونقل الأموال، محولاً الهواتف المحمولة إلى خزائن رقمية منيعة ومحافظ متحركة تغني عن مخاطر حمل السيولة وتجنب تداعيات التضخم النقدي الفيزيائي.

​وعلى صعيد القطاعات الإنتاجية والخدمية، تفتح تقنية USSD آفاقاً غير مسبوقة للنمو الاقتصادي القاعدي؛ فالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والباعة الجائلون، وأصحاب المهن الحرفية، بات بمقدورهم الآن امتلاك نظام دفع رقمي بتكلفة تشغيلية تقترب من الصفر، دون الحاجة للاستثمار في أجهزة نقاط البيع (POS) باهظة الثمن أو اشتراكات الإنترنت عالية الكلفة. هذا التحول سيعمل بلا شك على تحفيز التجارة الإلكترونية المحلية وتسهيل عمليات الجباية والتحصيل الحكومي للرسوم والضرائب والجمارك، مما يقلل من الثغرات التي ينفذ منها الفساد الإداري ويزيد من كفاءة التحصيل المالي للدولة.

ولعل البعد الإنساني والاجتماعي يتجلى بوضوح في قدرة هذه التقنية على تسهيل التحويلات الأسرية العابرة للولايات، ودعم برامج الحماية الاجتماعية عبر إيصال الدعم النقدي المباشر لمستحقيه في أقاصي القرى والبوادي بأمان وسرعة، مستلهمين في ذلك تجارب دولية رائدة مثل تجربة “M-Pesa” في كينيا التي أحدثت ثورة في الناتج المحلي الإجمالي وأدخلت الملايين لنادي الخدمات المالية، أو تجارب دول الجوار في إثيوبيا ومصر وتنزانيا التي أثبتت أن التكنولوجيا البسيطة هي المفتاح الحقيقي للتنمية المستدامة.

​وفي سياق الريادة والابتكار، فإن إتاحة هذه التقنية لا تخدم المستهلك النهائي فحسب، بل تمثل بنية تحتية خصبة لرواد الأعمال والشركات الناشئة في مجال “الفينتك” (FinTech)؛ إذ يمكن بناء تطبيقات وخدمات متخصصة في التمويل الأصغر الرقمي، والتأمين متناهي الصغر، وإدارة سلاسل الإمداد الزراعي، حيث يمكن للمزارع في حقوله أن يتسلم ثمن محاصيله مباشرة عبر هاتفه، مما يقضي على استغلال الوسطاء ويوفر دورة مالية سريعة تخدم الإنتاج الوطني. كما أن الربط المستقبلي لهذه التقنية مع أنظمة تحويلات المغتربين سيوفر قناة شرعية وآمنة لتدفق العملات الصعبة إلى داخل النظام المصرفي، مما يساهم في استقرار سعر الصرف ورفد ميزان المدفوعات بموارد حيوية كانت تتسرب سابقاً عبر القنوات غير الرسمية.

​بيد أن استدامة هذا التحول وتعظيم مكاسبه تظل رهينة ببيئة تنظيمية وتقنية صارمة؛ فالثقة هي العملة الحقيقية في الاقتصاد الرقمي، ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الوعي المجتمعي وتدريب المستخدمين على آليات التعامل الآمن لتجنب مخاطر الاحتيال المهندَس اجتماعياً. كما يتطلب الأمر التزاماً من شركات الاتصالات بضمان جودة الخدمة واستقرار الشبكات في ظروف الضغط العالي، وتنسيقاً وثيقاً مع البنوك لضمان توافقية الأنظمة (Interoperability) بحيث يتمكن العميل من التحويل بين مختلف المصارف والشبكات بسلاسة مطلقة.

ومع ذلك، فإن تعظيم الاستفادة من هذه الوثبة التقنية يظل رهيناً بتجاوز جملة من التحديات الجوهرية، وفي مقدمتها استعادة وتعزيز ثقة المواطن في النظام المصرفي، وضمان أمن وسرية المعاملات المالية ضد الهجمات السيبرانية أو عمليات الاحتيال الاجتماعي. إن النجاح الحقيقي يتطلب تكاملاً عضوياً وتنسيقاً فائقاً بين المصارف المركزية والتجارية من جهة، وشركات الاتصالات من جهة أخرى، لضمان استقرار الشبكات وانسيابية العمليات عبر المنصات المختلفة. كما يجب أن يصاحب ذلك إطار تنظيمي وتشريعي مرن يحمي المستهلك، وسياسة سعرية للرسوم تشجع على التحول ولا تنفر المستخدمين.

إننا نقف أمام لبنة أساسية لبناء اقتصاد رقمي مرن وشامل، فإذا أحسنت إدارة هذه الخطوة برؤية وطنية شاملة، فإنها لن تكون مجرد وسيلة للتحويل، بل ستصبح المحرك الرئيس لإعادة بناء النظام المالي السوداني وفق أسس الكفاءة والشمول والعدالة الاجتماعية.

إن الرسوم والعمولات يجب أن تظل في حدودها الدنيا لتشجيع التحول السلوكي من النقد إلى الرقمي، مع ضرورة وجود إطار تشريعي يحمي حقوق المستهلك ويضمن خصوصية بياناته المالية. إننا اليوم لا نتحدث عن مجرد خدمة تقنية، بل عن إعادة صياغة للعقد المالي والاجتماعي في السودان، فإذا أحسنت إدارة هذه الخطوة برؤية استراتيجية ثاقبة، فإنها ستكون حجر الزاوية في بناء اقتصاد وطني صلب، شفاف، وقادر على المنافسة في العصر الرقمي الحديث، ليكون السودان نموذجاً يحتذى به في التنمية القائمة على الابتكار والشمول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى