رأي

بين الخرطوم وطهران .. حين تفشل حسابات الضربة الخاطفة وتتحول الحرب إلى مديات مفتوحة

العبيد أحمد مروح

للوهلة الأولى، قد لا يبدو هناك وجه للشبه أو المقارنة بين الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط منذ أسبوعين، والتي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وتلك المشتعلة في السودان منذ نحو ثلاث سنوات، لكن المتأمل بعمق في المسار الكلي للحربين ولتصريحات القيادتين الأمريكية والإسرائيلية عقب شنهما الحرب على إيران من جهة، وللسردية التي تبنتها مليشيا الدعم السريع حين أشعلت الحرب في السودان مسنودة بالغرف الإماراتية، سيجد كثيراً من أوجه الشبه، وهو ما سأحاول عرضه في هذا المقال دون الخوض في كثير من التفاصيل.

راجع مثلاً تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض وعدد الزيارات التي أداها إلى هناك، وخذ كذلك تصريحات الرئيس ترامب نفسه بشأن الوضع في الشرق الأوسط، وتصريحات وزير الحرب الأمريكي بشأن الحرب على إيران، وسيتبين لك، دون عناء، أن أوهام الحرب على الإسلام والتنبؤات التوراتية والانجيلية بشأن آخر الزمان، والرغبة في بسط النفوذ والهيمنة على مقدرات الشعوب، هي المحرك الرئيسي لشن الحرب على إيران، وأن الهدف هو إقتلاع النظام القائم في إيران (نظام الجمهورية الإسلامية) واستبداله بنظام علماني تتحكم فيه إسرائيل وأمريكا، وأن موضوع الأسلحة النووية أو القدرات الصاروخية وما يسمى بالأذرع الإقليمية ليست سوى حيثيات تمّ حشدها، وأحياناُ تضخيمها، لتبرير شن الحرب، في الوقت الذي كان بالإمكان تسوية كل هذه القضايا عن طريق الدبلوماسية. الحسابات التي بني عليها اختيار توقيت “الطلقة الأولى” لشن الحرب على إيران كانت خليطاً من الغرور والوهم، فقد حشدت أمريكا – صاحبة أقوى جيش في العالم – وإسرائيل المتطلعة لأن تكون القوة الإقليمية المهيمنة، آلتهما العسكرية في المنطقة بشكل استعراضي وكانتا بانتظار أن ترتعد فرائص النظام الإيراني فيهرول ليوقع على فرمان الاستسلام بدون حرب، أو أن تقوما بشن “ضربة خاطفة” تقضي على رأس النظام “المرشد” وعلى القيادة العسكرية العليا للحرس الثوري وللقوات المسلحة الإيرانية، وحينها – بحسب الوهم – إما أن يستسلم من بقي من قيادة النظام، كما فعلت نائبة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أو أن تحدث “ثورة شعبية” تجسد الفوضى الخلاقة وتسفط ما تبقى من النظام، وتأتي بـ”ثوار إيرانيين” يتولون الأمر في بلادهم بدعم أمريكي وإسرائيلي بالأساس، وتأييد أوروبي.

الغرور بالإمكانات العسكرية المحشودة، و وهم القوة الزائف، والرغبة في “اجتثاث الإسلام السياسي” ، والهيمنة على مقدرات وثروات بلد ذي موقع جيوسياسي فريد كالسودان، هو نفسه ما كان يسيطر على عقلية المخططين لحرب السودان التي اندلعت في منتصف أبريل 2023 ، فقد كان المجتمع الدبلوماسي الغربي في الخرطوم يتابع عن كثب، ما تريد الإمارات فعله عن طريق الدعم السريع، وكانت الرسالة الموجهة لقيادة القوات المسلحة وقتها، سراُ وعلانية، في جوهرها، هي إما أن توقعوا على ما يقتضيه الإتفاق الإطاري وتقبلوا بأن تكون يد الدعم السريع هي العليا وإما أنكم ستدفعون الثمن .. والثمن الذي كان يقوله قائد الدعم السريع وقتها، لجلسائه من الخواجات، وقد أعلنه صراحة صباح الخامس عشر من أبريل هو أن “البرهان سيتم اعتقاله ومحاكمته” أو سيتم قتله، وأن على قيادات الجيش الأخرى أن يستسلموا. كانت الخطة الأساسية في تحرك الخامس عشر من أبريل 2023 هي “إنقلاب خاطف” لا يستغرق تنفيذه سوى بضع ساعات، يتم خلاله اعتقال أو تصفية قيادة الجيش ممثلة في البرهان وكباشي والعطا، وكل من يقاوم من ضباط القوات المسلحة، وتنصيب قيادة شكلية من الجيش يذاع باسمها “بيان الإنقلاب” الذي يشدد على، ويبشر الشعب بـ”إزاحة العقبة التي كانت تقف أمام الحكم المدني والتحول الديمقراطي”، وكانت بيانات التأييد والاعتراف جاهزة في العواصم التي كانت تنتظر على أحر من الجمر، وحين فشلت خطة أسر البرهان أو قتله خلال الساعات الأولى للإنقلاب، كانت الخطة البديلة جاهزة، وهي إحتلال القيادة العامة للقوات المسلحة بالقوة، واستلام بقية الأسلحة الموجودة في العاصمة القومية كسلاح المدرعات والذخيرة والإشارة والمهندسين وغيرها في نفس يوم الإنقلاب، لكن هذا أيضاً لم يحدث، كما يعرف الجميع.

الخطة في السودان وفي إيران هي ذاتها، والمنفذون هم ذاتهم، أمريكا والإمارات هنا، وأمريكا وإسرائيل هناك، والهدف هو ذاته .. أوهام إمبراطورية تعيد رسم مساحات النفوذ، وفرض الهيمنة على الدول عنوة، والتحكم في مقدراتها، أو تدميرها ومحو إرثها الثقافي وتفكيك جيشها ومؤسساتها، وتنصيب عملاء على رأس السلطة فيها يدينون بالولاء للمعتدين بهدف استكمال بقية المخطط، أو – في حال الفشل – إشعال الفتنة الداخلية، والتمهيد للتقسيم. في الخرطوم فشلت “الضربة الخاطفة” في أن تحقق هدفها المباشر، ونجا البرهان من التصفية والاعتقال، وصمدت أسلحة الجيش في وجه الهجوم البربري، بمعاونة الشعب الذي التف حول جيشه وقاتل في صفه، لكن صلف المعتدين وغرورهم لم يتوقف، فأشعلوها حرباً تحرق السودان كله، وأنتجت غرفهم سرديات جديدة لتغذية الخراب، كاستعادة الحكم المدني ومحاربة التهميش ودولة 56 والكيزان، وتحولت “الضربة الخاطفة” إلى حرب بمديات مفتوحة، مع إنه كان بالإمكان أن تتوقف منذ شهرها الأول لو أن دولة العدوان قبلت بهزيمة مخططها وأوقفت دعمها اللامحدود لجيوش العربان والمرتزقة.

وفي طهران، نجحت الضربة الخاطفة في اغتيال قيادة الدولة، لكنها فشلت في أن تؤدي إلى النتيجة الفورية التي كان يتوقعها المعتدون، فالنظام الإيراني صامد رغم كل شئ، وها هي دائرة الحرب تتسع، ويصيب شررها شعوباً بريئة ومسالمة، ويمتد أثرها الاقتصادي ليشمل العالم كله، وها هي أجندتها تتغير وكذلك سردياتها، وليس من المرجح أن تنتهي في المدى الزمني الذي زعم الرئيس ترامب أنه يتوقعه لها، وهو أربعة أو خمسة أسابيع، فها نحن في الأسبوع الثالث، وأجندة الحرب تتبدل وأوراقها تختلط، فيتقدم مضيق هرمز على حساب البرنامج الصاروخي، ولا مؤشرات لحل قريب، بل على العكس بدأت الرئاسة الأمريكية في حشد الحلفاء لتفكيك قبضة النظام في إيران على المضيق كمقدمة لتفكيك قبضته على السلطة، مما يعني أن المدى الزمني لنهاية الحرب أصبح مفتوحاً هو الآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى