فيما أرى
عادل الباز
1.
لم تكن محبة القطريين للسودانيين التي رسخها سمو الأمير الوالد كلامًا معسولًا، ولم تكن يومًا حديثًا منمقًا يدلقونه في المجالس؛ بل عبروا عنها في كل لحظة في تاريخ قطر الحديث بمواقف تعبر عن تلك الأخوة والمحبة. لم تتخلف قطر يومًا في كل المحافل الدولية عن الوقوف إلى جانب السودان، كما لو كانت تمد يدها في كل نازلة ألمت بالسودانيين، وما أكثر ابتلاءاتهم! كانوا هناك في سلام السودان وفي حربه، وفي ضائقته الاقتصادية وفي وسط أزماته السياسية. تقلبت الأحوال بالسودانيين فكانت قطر في كل مراحل تحولهم إلى جانبهم دون مَنٍّ ولا أذى، بل إن القطريين يؤذيهم أن تقول إن قطر فعلت كذا وكذا… لأن ما يفعلونه دائمًا لوجه الله، لا يرجون من السودانيين جزاءً ولا شكورًا.
2.
في كل المحافل الدولية كانت الدوحة في عهد سمو الأمير الوالد وإلى الآن سندًا دائمًا للسودانيين، ليس بصوتها فقط، بل بدعمها الدبلوماسي وعلاقاتها الممتدة مع دول العالم كله. كان صوتها حاضرًا كل لحظة احتاج له فيها السودان قطر إلى جانبه، وظل هذا ديدنها منذ أن كان الأمير الوالد على سدة الحكم وإلى الآن في عهد سمو الأمير تميم. رأينا كيف تنافح دولة قطر عن السودان في مجلس حقوق الإنسان، وكيف تصفع كلمات المندوبة القطرية في مجلس الأمم الدول الكبرى. لم تترك قطر السودان وحيدًا أبدًا في أي محفل ومنعطف.
3.
حملت قطر على كتفها في عهد سمو الأمير الوالد أكبر أزمات السودان مع مطلع الألفية وهي أزمة دارفور، وفعلت فيها كل الممكن والمستحيل؛ فاستضافت محادثات هي الأطول في تاريخ القارة الأفريقية والمنطقة العربية لثلاث سنوات، استضافت الدوحة مئات من المفاوضين وعشرات الوفود، وصرفت المليارات لأجل سلام دارفور، وبفضلها توصلت الحركات المسلحة إلى اتفاقية الدوحة بعد مسلسل طويل من المفاوضات. ولم تكتفِ الدوحة بذلك، بل تبنت إعمار دارفور وتعهدت بافتتاح بنك بدارفور برأس مال 2 مليار ريال. حفرت قطر الخيرية مئات الآبار وبنت ثماني مدن حديثة مكتملة، لم يكن يتبقى فيها إلا تركيب ألواح الطاقة الشمسية قبل أن يعيث فيها “الهمج الجدد” تدميرًا وفسادًا.
4.
حين انفصل الجنوب (2011) وشحت موارد السودان، ولم يكن هنالك صديق ولا شقيق يمكن أن يمد يده ليرتق عجز الميزانية في العام 2012 إلا يد سمو الأمير الوالد، كانت قطر وحدها حاضرة؛ فدفعت قطر بأوامر مباشرة من حساب الأمير الوالد 2 ونصف مليار يورو، أي والله 2 ونصف مليار يورو، وذلك غير الإعانات الأخرى التي دفعت بها مؤسسات قطر الخيرية ومؤسسة عيد الخيرية والهلال الأحمر القطري.
5.
أما قصة شركة أرياب فتستحق أن تُروى…. وقد حكاها لي الأستاذ صادق الكاروري وزير المعادن وقتها فقال: كانت الحكومة في أثناء زنقتها المالية قد باعت 54% من شركة أرياب لشركة مملوكة للسيد نجيب ساويرس رجل الأعمال المصري، وبعد حين اتصل السيد ساويرس بالحكومة ليخطرها أنه يريد أن يبيع أسهمه تلك لشركة أخرى سماها، وهو يفعل ذلك لأن العقد يلزمه أن يعرض الأسهم أولًا للشريك، فإذا عجز يعرضها في السوق؛ وهو بالطبع كان يعرف أن الحكومة عاجزة عن الشراء لأنها مفلسة. فبحثت الحكومة عن الشركة التي ينوي أن يبيع لها نجيب ساويرس، فعرفت أنها شركة إسرائيلية، وهنا جن جنونها؛ لأن أرياب هي أكبر شركة للذهب تملكها الحكومة، مساحتها 450 ألف كيلومتر مربع وبها احتياطيات ضخمة من ذهب ونحاس (600 ألف طن). وتصادف وقتذاك أن الرئيس البشير سيزور قطر، فاقترح الكاروري على الرئيس البشير -متعه الله بالصحة والعافية- أن يعرض أسهم أرياب على القطريين لعل وعسى تكون لديهم رغبة وهم أفضل شريك إذا وافقوا. بعد أن انتهت الزيارة الرسمية للرئيس إلى الدوحة طلب مقابلة الأمير الوالد كعادته كلما زار قطر.. وأذكر أن الرئيس في واحدة من سفرياتنا العديدة معه إلى الخارج حكى قصة علاقته العميقة مع الأمير الوالد التي بدأت منذ العام 1995 في يوغسلافيا حيث التقيا في مؤتمر لقمة عدم الانحياز، ومن لحظتها توطدت العلاقة بينهما إلى آخر يوم من حياته، وكان الأمير الوالد حريصًا بعد التغيير 2019 أن يستضيف الرئيس البشير في الدوحة، بل كان ملحًا في الطلب من القيادة السودانية، وحدثني من أثق أن الأمير الوالد ظل سؤاله عن البشير متواصلًا حتى آخر أيامه، بل ضمن وصيته أن تواصل قطر سعيها والحديث مع القيادة السودانية للسماح لقطر باستضافة الرئيس البشير.
المهم أن الرئيس البشير حدث سمو الأمير الوالد بأمر الشركة وقصتها وبضرورة منع وقوعها في أيادي الإسرائيليين، فسأل الأمير الوالد عن المبلغ المطلوب فعرف أنه 250 مليون دولار، فأمر بأن يحمل البشير في طائرته وهو عائد إلى الخرطوم ذلك المبلغ معه هدية منه لشعب السودان وقال: (لتبقى شركة السودان لأهلها). وبالفعل عاد الرئيس إلى السودان محملًا بمائتين وخمسين مليون دولار هدية من سموه، وبحال وصوله إلى الخرطوم استدعى الرئيس الكاروري على عجل وقال له: هذا هو المبلغ الذي طلبت لاسترداد أسهم أرياب من نجيب ساويرس، وأمره بتسجيل الأسهم (54%) باسم التصنيع الحربي. وبالفعل تم الاتصال بساويرس وتم الشراء، وكان الرجل مذهولًا ومتفاجئًا متسائلًا من أين حصل السودان على تلك الأموال بهذه السرعة. تحسر ساويرس كثيرًا بعد ذلك على فقدانه أسهمه في الشركة التي عادت بكاملها لحكومة السودان حيث كانت وزارة المالية تملك 46% من أسهمها، وهو الوضع الذي استمر حتى اليوم، وهي الآن أكبر منتج للذهب وقريبًا للنحاس في السودان، وكل ذلك بفضل وكرم سمو الأمير الوالد، شآبيب الرحمة على قبره.
6.
هذه الفكرة وهذا العطاء الذي تدفق على يدي سمو الأمير الوالد لم يكن يومًا مجرد استجابة لظروف طارئة أو صفقات تجارية عابرة، بل كان تجسيدًا لنهج استراتيجي راسخ. ولقد واصل سمو الأمير تميم بن حمد هذا المسار بذات الحكمة، فظلت قطر حاضرة لا لتبحث عن الربح السريع أو الهيمنة، بل لتكون صمام أمان في وجه التقلبات التي ألمت بالسودان. إن ما قدمته قطر، وما تزال، يتجاوز في جوهره مفهوم المساعدات التقليدية ليصبح “شراكة اقتصادية مؤسسية”؛ شراكة تحمي السيادة، وتصون الموارد، وتؤمن بأن استقرار السودان ليس شأنًا محليًا فحسب، بل هو ركن أصيل في أمن واستقرار المنطقة بأسرها. لقد أثبتت التجربة أن قطر لم تكن يومًا مستثمرًا يبحث عن الربح على حساب استقرار السودان، بل كانت شريكًا يبحث عن بناء مؤسسات صلبة. هكذا، تظل قطر بالنسبة للسودانيين، اليد التي تمتد بلا مَنٍّ ولا أذى، والقلب الذي ينبض بحبهم في كل الأوقات.