محمود حسين سري
في 15 أبريل انتهى مؤتمر برلين وبدأ الجميع في تحليل مخرجاته وتشخيص توصياته وتفكيكها وماهو الجديد الذي حققه هذا التجمع الدولي وما هو القديم الذي يحاول منظموه على التأكيد عليه وإعادة تسويقه وإنتاجه وتمريره.
وللأسف يحاول الفريق المؤيد للمؤتمر والداعم له أن يؤكد للفريق المعارض أن المؤتمر حقق أهدافه بينما يحاول الفريق الرافض للمؤتمر ومخرجاته القول بأن مخرجاته لا تعنيه وأنه لا جديد فيه وأنه لا يتعدى مؤتمر علاقات عامة سيضع في الأرشيف ومزبلة التاريخ كما سبقه من مؤتمرات مثل باريس ولندن.
وما بين هذا الفريق المؤيد وبين ذاك الفريق المعارض والرافض لمؤتمر برلين تبرز ثلاثة أسئلة يجب أن يسألها السودانيون والقائمون على أمر الدولة لأنفسهم: الأول متى سينعقد المؤتمر القادم وماهي أهدافه وكيف يمكن التعامل مع التطورات المتوقعة حتى أبريل 2027؟ السؤال الثاني هل هناك علاقة بين مؤتمر برلين وباريس ولندن وماذا أضاف هذا المؤتمر لتلك المؤتمرات، لنفهم لماذا تصر هذه الدول على عقد هذه المؤتمرات وماهو المسلسل في كل حلقة من حلقات هذه المؤتمرات الدولية؟ السؤال الأخير كيف سيؤثر مؤتمر برلين على التطورات السياسية والأمنية والإنسانية في السودان في الفترة القادمة؟
في أي حكومة محترمة ووطنية وذات جدارة أو مؤسسة مهنية يتم تشكيل خلية أزمة تقوم بدراسة نتائج المؤتمر وتقييمه وتحليل المواقف والكلمات والأفعال الإقليمية والدولية. سأتوقع أن هذه الخلية موجودة وقد شكلت وهي تعمل بكفاءة وأعضاؤها شخصيات وطنية سودانية ومؤهلة قادرة على مساعدة الحكومة السودانية والدولة السودانية والجيش السوداني على تدارك نتائج مؤتمر برلين والتي هى خطيرة جداً تتعدى اللقاءات والصور والبيانات وقائمة المشاركين ومستوى التمثيل في المؤتمر.
كل هذه أمور سخيفة وسطحية ويجب أن ينظر القائمون على الأمر إلى أعمق من ذلك. فالصورة الحقيقية أكبر وأوسع من مؤتمر برلين. فاليوم التالى لمؤتمر برلين هو مسلسل دولي لمؤتمرات قادمة ونشاطات مقبلة وزيارات آتية وورش عمل لاحقة ودراسات سيتم تطبيقها في الأيام القادمة أتوقع أنها ستقود إلى تقسيم السودان وتدوِّل قضيته وتضعف مؤسساته وستحاول فرض تيارات مدنية معينة وإلزام قوى سياسية مصنوعة دولياً لإدارة الدولة وفرض مزيد من العقوبات على الجيش و عزل حكومته المدنية دولياً وتهميشها وتعظيم الملف الإنساني وتضخيمه والمتاجرة بمعاناة الشعب الحقيقية والتي لايمكن إنكارها، ولكن لتحقيق أهداف ومصالح إقليمية ودولية وليس لمصلحة السودان.
إن اليوم التالي لمؤتمر برلين في الدولة السودانية يتطلب إنشاء خلية إدارة أزمات ناجحة تلتقي كل يوم لتراقب مخرجات المؤتمر وتقدم توصيات للدولة حول التعامل مع التطورات على الأرض. و من أهم أهداف هذه الخلية هى مراقبة مخرجات مؤتمر باريس ومؤتمر لندن ومؤتمر برلين. ففي كل مؤتمر تعهد العالم بأموال لمساعدة الشعب السودانى .. أين هذه الأموال؟ كيف تصرف وكيف صرفت؟ على ماذا صرفت حتى تخرج عشرات المنظمات ليلة المهرجان (المؤتمر) في برلين لتحدثنا عن كارثة إنسانية.
إن مفوضية العون الإنساني و المستشارية الإنسانية بمجلس السيادة ووزارة الخارجية والتعاون الدولي فشلت طوال الفترة الماضية في إدارة الملف الإنساني بتنسيق كامل والذي يتطلب الآن وزارة ووزير من خلفية دولية وملفه نظيف غير متحزب قادر على مخاطبة وإقناع المجتمع الدولي ومواجهته في إعادة تدوير التعهدات الإنسانية التي تم التعهد بها في كل مؤتمر. فبيان السيدة دينيس براون المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في السودان واضح. فقد قالت ينبغي عدم القول إن الأزمة في السودان هى منسية، بل هي متروكة. وأكدت أن السودان يواجه ما هو أكثر من أزمة إنسانية، إذ إن 33 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات، منوهة إلى أن البلاد شهدت “محواً متعمّداً لأي إمكان للوصول إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية والحقوق الإنسانية. وعن تعهّدات مؤتمر المانحين الذي عقد في برلين، والبالغة 1.5 مليار يورو، أشارت المنسقة الأممية إلى أن خطة الاستجابة للأمم المتحدة في السودان لم تُموَّل هذا العام سوى بنسبة 16 في المئة، مؤكدة أن ذلك غير كاف لوقف الحرب. فأين ذهبت أموال مؤتمر لندن وباريس؟
إن الحكومة السودانية محتاجة إلى التعاون بشكل أكثر قوة مع الملف الإنساني والذي إذا لم يحسم سيقود إلى مزيد من التدخلات الأجنبية ومزيد من الفوضى التمويلية. إن وجود ثلاث جهات تتعامل مع الملف الإنساني الذي يتدهور من عام إلى عام يحتاج إلى مراجعة حقيقية.
إن أسوأ ما تواجههه الخارجية السودانية اليوم هو أن الكثيرين يتحدثون إليها في الظل و لايعترفون بحكومتها، لقد حان الآن أن تخرج هذه المحادثات إلى العلن وأن تحسم الحكومة فوضى المبعوثين الدوليين إلى السودان. إن السودان اليوم يتعامل مع 22 مبعوثاً دولياً وذلك حتى لا يقوم السفراء الأجانب (الغربيون خاصة) بالعودة إلى الخرطوم أو بورتسودان أو تقديم أوراق اعتمادهم لرئيس مجلس السيادة أو التحدث للحكومة في العلن. إن التساهل في التعامل مع المبعوثين والسفراء خلق هذه الازدواجية في العمل الدبلوماسي تجاه الدولة. فمن المحير أن ترى المبعوث لدولة ما يفعل شيئا والسفير لنفس الدولة يقول أو يفعل ما هو مختلف تماماً. إن هذا السيرك الدبلوماسي هو الذي أدى إلى ظهور الرباعية و بروز آلية الخماسية والآن يتجلى (الاتحاد الدولي لتحالف منع الفظائع وتحقيق العدالة في السودان) الذى تقوده المملكة المتحدة وهولندا والنرويج والإتحاد الأوروبي والذي يضم في آلياته منظمات حقوقية مثل منظمة العفو الدولية والتي تعمل على توثيق الانتهاكات (قتل، اغتصاب، عنف جنسي) التي ترقى إلى جرائم حرب، لتفعيل آليات العدالة الجنائية الدولية و مجلس الأمن والمنظمات المحلية غير المسجلة والملونة سياسيا والتي يعمل من خلالها منظمات وناشطون في مخاطبة مجلس الأمن لتوثيق الانتهاكات الموجودة والمزعومة أيضا ، للضغط على القوات المسلحة السودانية للجلوس للتفاوض.
والأسواء من تحجيم حركة وزارة الخارجية السودانية وعزلها هو الأداء الضعيف للأحزاب السياسية والمنظمات السياسية والحواضن السياسية التى ظلت تتحدث مع نفسها في بورتسودان وأثبتت أنها غير مؤثرة وغير معترف بها ولا مبادئ واضحة لها، حيث تمكن المنظمون في مؤتمر برلين من اختراقها و توجيه الدعوات على الأساس الشخصي مما تسبب في إضعاف هذه المؤسسات حيث قبل البعض المشاركة ورفضها آخرون مما أظهر الحاضنة السياسية للدولة ضعيفة ومضطربة ومهزوزة.
إن الحاضنة السياسية والأحزاب التي تدعي أنها تدافع عن الدولة والمؤسسات فشلت في فرض رؤيتها ومواقفها في إقناع المجتمع الدولي والذى ما زال بعد ثلاث سنوات من الحرب يساوي بين قوات الشعب المسلحة، المؤسسة الشرعية للدفاع عن الشعب السوداني بقوات الدعم السريع المتمردة الإرهابية.
إن عدم دعوة الحكومة هو دليل على فشل الدكتور كامل إدريس، رئيس وزراء السودان، في الدورة الـ 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن في ألمانيا في فبراير الماضى حيث استهدفت المشاركة تعزيز الدعم الدولي للسودان وطرح مبادرة سودانية لإنهاء النزاع تتضمن حماية المدنيين وإحلال دولة القانون وبالرغم من المشاركة تضمنت لقاءات جانبية، مثل اللقاء مع وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، لمناقشة تطورات الأوضاع في السودان إلا أن نتيجتها جاءت واضحة وجلية في عدم دعوة حكومة السودان المدنية والشرعية للمؤتمر ودعوة عبد الله حمدوك رئيس وزراء السودان الاسبق ليلتقي بعدد من كبرى الشركات الألمانية في برلين لبحث سبل وفرص إعادة إعمار السودان عقب انتهاء الحرب ليقدم عرضاً شاملاً لحجم الدمار الذي خلفته الحرب في مختلف القطاعات بالسودان.
في الختام إن مؤتمر برلين بقدر ما أنه أثبت نجاحه وسقطاته في بعض الأمور إلا أنه يجب أن يقود الحكومة السودانية والدولة السودانية إلى التعلم من الدروس و إعادة تقييم المؤتمر بشكله الصحيح وبدون حدة وغضب واعادة استكشاف مخرجاته والبحث فيها بعملية وبراجماتية وتنسيق سوداني سوداني عالي وكيفية التعامل مع آليات مؤتمر برلين القادمة بقوة والتي ستظهر في شكل الرباعية والخماسية ومنظمات الطوارئ والمنظمات الدولية بناءً على التطورات الحالية في السودان، حيث يشهد ملف تسجيل المنظمات الدولية والمحلية تعقيدات بسبب وجود إدارات مختلفة ففرض قوات الدعم السريع المتمردة الإرهابية (من خلال ما يسمى “بحكومة تأسيس”) مهلة 30 يومًا للمنظمات الإنسانية العاملة في مناطق سيطرتها لإعادة تسجيل أنشطتها والحصول على تراخيص جديدة ليس قراراً عابراً في توقيته عابرا بل هو بداية مشروع تقسيم السودان من خلال توزيع المساعدات الانسانية الدولية التى تم التعهد بها في مؤتمر برلين.