رأي

الورقة التحليلية الأولي: تحولات الحرب في القرن الحادي والعشرين .. من كلاوزفيتز إلى كالدور

هشام يوسف عبد الرحمن

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين امتداداً بسيطاً لما عرفه العالم في القرنين التاسع عشر والعشرين. فالتغيُّر لم يقتصر على تطور الأسلحة أو تقنيات القتال، وإنما طال طبيعة الحرب نفسها، والفاعلين المشاركين فيها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، والوسائل التي تُدار بها. ولذلك، فإن فهم الصراعات المعاصرة يقتضي العودة أولاً إلى التطور النظري لمفهوم الحرب، وكيف انتقل من النموذج الكلاسيكي إلى النماذج الأكثر تعقيداً التي تفسر واقع اليوم.

وقد شكّل كارل فون كلاوزفيتز نقطة الانطلاق في الفكر الاستراتيجي الحديث عندما وصف الحرب بأنها “استمرار للسياسة العامة للدولة بوسائل أخرى”، قاصداً أن الحرب ليست فعلاً مستقلاً، وإنما أداة تلجأ إليها الدولة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية عندما تعجز الوسائل السياسية والدبلوماسية عن تحقيقها.

ولهذا ظل النموذج الكلاسيكي يفترض وجود ثلاثة عناصر رئيسية: دولة، وجيش نظامي، وهدف سياسي واضح.
وقد احتفظ هذا التصور بقيمته التفسيرية طوال فترة كانت فيها الدولة هي الفاعل المركزي في العلاقات الدولية، وكانت الحروب تدور في الغالب بين جيوش نظامية، وتنتهي بانتصار عسكري أو باتفاق سياسي يعيد رسم الحدود أو موازين القوى.
غير أن نهاية الحرب الباردة، وتسارع العولمة، والتطور التكنولوجي، وصعود الفاعلين من غير الدول، كشفت أن هذا النموذج لم يعد كافياً لتفسير كثير من الصراعات المعاصرة. فالحروب لم تعد تقتصر على المواجهات التقليدية بين الدول، وإنما أصبحت تتخذ أشكالاً أكثر تركيباً، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الاقتصاد، والسياسة مع الهوية، والأمن مع الإعلام، بحيث يصعب الفصل بين ميادين القتال وساحات النفوذ الأخرى.

وفي هذا السياق، يرى مارتن فان كريفيلد أن التحول الأهم في الحروب المعاصرة لا يتمثل في تطور الأسلحة، وإنما في تغيُّر طبيعة الفاعلين وأنماط الصراع. فاحتكار الدولة للحرب، الذي شكّل إحدى سمات النظام الدولي الحديث، أصبح يواجه تحديات متزايدة مع صعود الفاعلين من غير الدول، واتساع الحروب الداخلية، وتعاظم دور الشبكات المسلحة العابرة للحدود. ولا يعني ذلك، في نظره، أن الدولة فقدت مكانتها أو أن الحروب التقليدية انتهت، وإنما أن الدولة لم تعد الفاعل الوحيد، وأن النموذج الكلاسيكي للحرب لم يعد كافياً وحده لتفسير جميع الصراعات المعاصرة. وبهذا المعنى، لم تعد الحرب صراعاً بين دولتين، وإنما أصبحت صراعاً بين منظومات متشابكة تختلف في طبيعتها وأهدافها ومصادر تمويلها.

وتذهب ماري كالدور إلى أبعد من ذلك، حين ترى أن العالم دخل مرحلة “الحروب الجديدة”، التي تختلف عن الحروب التقليدية في بنيتها وأهدافها وآليات استمرارها. ففي هذا النموذج، لا يكون الهدف الأساسي هو هزيمة جيش معادٍ أو السيطرة على إقليم محدد، وإنما السيطرة على المجتمع، وإعادة تشكيل موازين القوة داخله، وتأمين الموارد، وإدارة الهويات، وإدامة النفوذ. ومن ثم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً ينتهي بإعلان النصر، وإنما أصبحت حالة ممتدة تتغذى على استمرارها أكثر مما تتجه إلى نهايتها.

ويلاحظ أن كالدور تربط هذا التحول بظهور شبكات تمويل عابرة للحدود، واقتصادات موازية، وأنماط جديدة من الدعم الخارجي، بحيث لم يعد استمرار الصراع يعتمد على قدرات الدولة وحدها، وإنما على منظومة واسعة من الموارد والعلاقات التي تجعل الحرب أكثر قدرة على إعادة إنتاج نفسها.

ومن زاوية أخرى، يقدم جوزيف ناي بعداً مكملاً لهذا التحول من خلال مفهوم القوة الناعمة، ثم القوة الذكية. فالقوة، في عالم اليوم، لم تعد تقاس فقط بحجم الجيوش أو الترسانات العسكرية، وإنما أيضاً بالقدرة على التأثير في الإدراك، وتشكيل السرديات، وكسب الشرعية، وتوظيف الاقتصاد والدبلوماسية والإعلام والتكنولوجيا في خدمة الأهداف الاستراتيجية. وهكذا، أصبحت الحرب الحديثة مزيجاً من القوة الصلبة والقوة الناعمة، بحيث يصعب الفصل بينهما في إدارة الصراعات.

وفي السياق نفسه، يلفت عبد الوهاب المسيري الانتباه إلى أن الهيمنة الحديثة لم تعد تمارس، في كثير من الأحيان، عبر الاحتلال المباشر، وإنما من خلال أنماط أكثر تعقيداً من السيطرة، تعتمد على إعادة تشكيل البيئات السياسية والاقتصادية والثقافية بما يسمح بتحقيق النفوذ دون الحاجة إلى إدارة مباشرة. وبهذا المعنى، فإن انتقال القوى الكبرى من التدخل المباشر إلى أدوات أكثر مرونة لا يعني تراجع حضورها، وإنما يعكس تطوراً في آليات ممارسة القوة.

ويضيف باري بوزان بعداً آخر، يتمثل في مفهوم “الأمننة”، الذي يبين كيف تتحول قضية محلية إلى قضية أمن إقليمي أو دولي، بما يؤدي إلى توسيع دائرة الفاعلين، وتعدد مستويات التدخل، وتغيير طبيعة إدارة الصراع. وعندما يحدث ذلك، لا تعود الحرب شأناً داخلياً خالصاً، بل تصبح جزءاً من منظومة أمنية أوسع تتجاوز حدود الدولة.
وعند جمع هذه الإسهامات، تتضح حقيقة أساسية مفادها أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، وإنما أصبحت منظومة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها القوة، والاقتصاد، والهوية، والإعلام، والدبلوماسية، والتكنولوجيا، والفاعلون المحليون والإقليميون والدوليون.

ولذلك، لم يعد السؤال المركزي هو: من يمتلك القوة العسكرية الأكبر؟ وإنما: من يمتلك القدرة على إدارة منظومة الصراع بكل مستوياتها؟
ومن هذه النقطة تحديداً، تبدأ أهمية الانتقال إلى الورقة التالية. فإذا كانت الحرب قد تغيرت بهذا القدر، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف تكيفت القوى الكبرى مع هذه التحولات؟ وهل أصبح الاعتماد على حروب الوكالة مجرد خيار من بين خيارات متعددة، أم أنه تحول إلى أحد أهم ملامح إدارة الصراعات في النظام الدولي المعاصر؟

يتبع ،،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى