سؤال اليوم
القاهرة – سماح طه
لم يعد الجدل في الساحة الغنائية السودانية يدور حول الأغنية فقط، بل امتد إلى الأسماء والتصنيفات التي أفرزها المجتمع. فمن هي الفنانة؟ ومن هي “القونة”؟ وهل نحن أمام فرق فني حقيقي، أم أن الأمر مجرد تصنيف اجتماعي صنعته نظرة المجتمع وتغيرات الحياة؟
مصطلح “القونة” أصبح حاضرًا بقوة في النقاش العام، رغم اختلاف الآراء حول معناه ودلالاته. فهناك من يراه وصفًا لنمط معين من الأداء الغنائي، بينما يرى آخرون أنه تصنيف اجتماعي لا يعبر بالضرورة عن الموهبة أو جودة الصوت.
ومن الروايات المتداولة في الوسط الفني أن أصل المصطلح يعود إلى الفنان الراحل زيدان إبراهيم، الذي كان يستخدم كلمة “قون” تشبيهًا بلاعب كرة القدم الذي يقف أمام المرمى منتظرًا الكرة ليحرز الهدف، ثم تحورت الكلمة لاحقًا في التداول الشعبي إلى “قونة” عند الإشارة إلى المغنيات. ورغم انتشار هذه الرواية، فإنها تظل رواية شفاهية غير موثقة تاريخيًا بصورة قاطعة.
أمير كمال: التصنيف صنعته نظرة المجتمع
يرى الموسيقار أمير كمال أن التصنيف بين الفنانة و”القونة” ليس تصنيفًا فنيًا، وإنما هو تصنيف اجتماعي صنعته نظرة المجتمع.
ويقول إن الاثنين قد يمتلكان صوتًا جميلًا وحضورًا جماهيريًا، لكن الاختلاف يكمن في المشروع الذي تقدمه كل واحدة. فالفنانة صاحبة المشروع الحقيقي تهتم باختيار النصوص الرصينة، والألحان المناسبة، وبناء تجربة تقوم على قيمة فنية، بينما تتجه أخريات إلى الكلمات السريعة والألحان التي لا تحتاج إلى جهد موسيقي كبير بحثًا عن الانتشار.
ويؤكد أن المجتمع يتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، لأنه هو الذي يمنح هذه الظواهر فرصة الاستمرار، مشيرًا إلى أن الأغنية السودانية كانت في مراحل سابقة تعتمد على النصوص العميقة والألحان الراسخة، قبل أن يتغير المشهد مع تراجع دور المؤسسات التي كانت تضبط مسار الإنتاج الفني.
د. علي محمد سعيد: “القونات” ظاهرة اجتماعية قبل أن تكون فنية
يرى المسرحي والأكاديمي الدكتور علي محمد سعيد أن ظاهرة “القونات” لا يمكن قراءتها باعتبارها ظاهرة فنية فقط، بل هي ظاهرة اجتماعية نتجت عن تداخل عوامل اقتصادية وثقافية وسياسية.
ويقول إن الفن يقوم على مشروع إبداعي ومعايير جمالية ومهنية، بينما يعتمد حضور “القونات” بدرجة كبيرة على التفاعل المباشر مع الجمهور، من خلال ذكر الأسماء والقبائل والأحياء والمدن، و”رفع البلاغات”، وصناعة الجدل، إلى جانب الاهتمام بالصورة والظهور الإعلامي واستثمار اقتصاد الشهرة الذي أتاحته الثورة الرقمية.
ويضيف أن الظاهرة جاءت في ظل تراجع فرص العمل، وتآكل الطبقة الوسطى، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، فأصبحت الشهرة نفسها موردًا يمكن الاستثمار فيه، كما انتقل المجتمع من مرحلة كانت المؤسسات الإعلامية والثقافية تصنع فيها النجوم إلى فضاء رقمي مفتوح يستطيع فيه الفرد صناعة جمهوره بنفسه.
وأشار إلى أن جذور الظاهرة ليست جديدة تمامًا، إذ يربط بعض الباحثين بينها وبين أشكال قديمة مثل “غناء البنات” الذي سبق ظهور الحقيبة، لكن التكنولوجيا الحديثة منحتها انتشارًا غير مسبوق.
ويخلص إلى أن “القونات” يعكسن تحولات المجتمع نفسه، وأن الظاهرة ليست منفصلة عن التغيرات الاقتصادية والثقافية والسياسية التي مر بها السودان.
ندى أبوسن: الفنانة الحقيقية جوهر وليست مظهرًا
ترى الكاتبة والصحفية ندى أبوسن أن المشكلة الأساسية ليست في المسميات، وإنما في تغير مفهوم الفنان ودوره.
وتقول إن الفنان في الأصل صاحب فكرة ورسالة، لكن المشهد الحالي جعل من الصعب التمييز بين صاحبة المشروع الفني ومن تفتقر إلى الثقافة والرؤية.
وتنتقد اعتماد بعض النماذج على المظهر الخارجي من خلال الثياب المزركشة، والألوان الصارخة، وكثرة الحلي الذهبية، والشعر المستعار، والرقص الذي يستهدف الإثارة أكثر من تقديم الفن.
وتؤكد أن الفنانة الحقيقية جوهر وليست مظهرًا، مشيرة إلى الفنانة نانسي عجاج كنموذج لفنانة صاحبة مشروع، قد يختلف الناس حول مواقفها أو يتفقون معها، لكنها تقدم أغنيات تحمل قضايا ورسائل، بينما لا ينبغي أن يكون التنافس في كمية الذهب أو شكل الثوب، بل في جودة الكلمة واللحن.
سعدية إلياس: المجتمع شريك في صناعة الظاهرة
وفي إفادة خاصة لـ”الأحداث”، ترى الصحفية سعدية الياس أن المجتمع السوداني أصبح لاعبًا أساسيًا في صناعة المشهد الفني، بل وفي تحديد من هي الفنانة ومن هي “القونة”.
وتقول إن صاحبة المشروع الفني الحقيقي لا تجد في كثير من الأحيان الانتشار الذي تحققه من تعتمد على الإثارة وصناعة الجدل، مشيرة إلى ظهور نمط متكرر في بعض الحفلات يعتمد على شكل محدد في المظهر والأداء، إلى جانب ما يعرف بـ”البلاغات”، وهي الرسائل التي توجهها المغنية للجمهور أو لأشخاص بعينهم، حتى أصبح البعض يقيس نجاح الحفل بعدد هذه البلاغات وليس بقيمة ما يقدم من فن.
وتشير إلى أن ظاهرة “النقطة” تحولت لدى البعض من تقليد اجتماعي إلى وسيلة لاستعراض الثراء والتفاخر، ووصلت في بعض المناسبات إلى تقديم هدايا من الذهب أو الألماس، معتبرة أن هذه المظاهر أصبحت مشهدًا غير صحي.
وترى سعدية إلياس أن المسؤولية لا تقع على المغنيات وحدهن، بل يتحمل المجتمع جزءًا كبيرًا منها، لأنه يمنح هذه النماذج مساحة الانتشار، بينما تتراجع المشاريع الفنية الجادة.
كما تشير إلى دور بعض أصحاب النفوذ والمسؤولين الذين يستضيفون هذا النوع من المغنيات في مناسبات عامة ورسمية، الأمر الذي يمنح الظاهرة مزيدًا من الحضور والقبول الاجتماعي.
وتختم بالقول إن المشكلة ليست في “القونة” وحدها، وإنما في المجتمع الذي صنع هذا الواقع ومنحه المنصة، فلو لم يجد هذا النموذج القبول والرواج لما استطاع أن يتصدر المشهد بهذا الشكل.
إنصاف فتحي: القيمة لا تنافس ما لا قيمة له
وفي إفادة لـ”الأحداث”، قالت الفنانة الشابة إنصاف فتحي إن مصطلح “القونة” قد يكون جديدًا، لكن النموذج الذي يصفه ليس جديدًا على الساحة الغنائية السودانية.
وأضافت أن طريقة الأداء وأسلوب طرح الأغنيات التي ترتبط بهذا المصطلح كانت موجودة منذ سنوات، لكنها كانت بعيدة عن الكاميرات والمسارح ووسائل الإعلام، قبل أن تمنحها المنصات الرقمية مساحة واسعة للظهور والانتشار.
وتقول إن المؤسف ليس وجود هذا النوع من الغناء فقط، وإنما تقبل المجتمع له بصورة جعلته حاضرًا إلى جانب الفنان الحقيقي، مشيرة إلى أن الفنان الذي ورثه السودانيون عن الرواد كان مرتبطًا بالانضباط في الكلمات والألحان والهوية، وكانت هناك مؤسسات مثل الإذاعة السودانية والتلفزيون القومي والمهن الموسيقية تضع معايير لظهور الفنان.
وترى أن الغناء الذي كان بعيدًا عن الأضواء أصبح اليوم ينافس في كل المنصات، بل وصل إلى مناسبات مثل حفلات تخريج الجامعات والفعاليات العامة والخيرية.
وتؤكد إنصاف فتحي أن القيمة الفنية لا تنافس ما لا قيمة له، قائلة إن هناك دائمًا غناء يحمل قيمة حقيقية في شكله ومضمونه، وإن المجتمع ما زال يضم أسرًا تحافظ على ذائقتها وتستمع إلى الأغنيات الهادفة.
وتضيف: “لا توجد منافسة حقيقية بين المشروع الفني الجاد وهذه الظاهرة، لأن القيمة ثابتة وراسخة، وما يقدم بصدق واحترام للذائقة سيبقى”.
الخاتمة: بين الفن والظاهرة… من يصنع الآخر؟
تكشف الآراء التي استطلعتها “الأحداث” أن ظاهرة “القونات” لا يمكن اختزالها في شكل غنائي أو في أسماء بعينها، فهي نتيجة لتحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية متشابكة.
فبينما يرى البعض أن المشكلة في تراجع معايير الفن وانتشار المظهر على حساب المضمون، يرى آخرون أن الظاهرة تعكس تغيرًا طبيعيًا في وسائل صناعة النجومية، وانتقال المجتمع من عصر كانت المؤسسات تتحكم فيه في ظهور الفنانين إلى عصر المنصات الرقمية المفتوحة.
لكن الجميع يلتقي عند حقيقة مهمة: أن المجتمع ليس متلقيًا فقط، بل شريك في صناعة الذوق العام، فهو الذي يمنح بعض النماذج الشهرة والانتشار، كما أنه قادر على دعم التجارب الفنية التي تحمل قيمة ورسالة.