⚖️قصاصات قانونيه⚖️
بقلم / الاستاذة رضا حسين حلواني المحامي
إن المبدأ الذي تقوم عليه الدولة الديمقراطية هو أن السيادة للشعب، وأن الشعب وحده هو مصدر السلطات وصاحب الحق الأصيل في منح الشرعية السياسية أو حجبها. ولذلك، فإن أي جهة تنفيذية أو سياسية لا تملك قانونًا ولا دستورًا أن تقرر من يشارك في الحياة السياسية ومن يُستبعد منها بصورة مطلقة، ما دام النشاط السياسي يتم في إطار القانون.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن محاولات إقصاء القوى السياسية لم تُنهِ وجودها، ولم تُحقق الاستقرار المنشود، بل أدت إلى مزيد من الاستقطاب والانقسام. فالأحزاب لا تُلغى بقرارات سياسية، وإنما يُحدد وزنها الحقيقي عبر الإرادة الشعبية في انتخابات حرة ونزيهة.
وفي هذا السياق، فإن حزب المؤتمر الوطني، شأنه شأن أي حزب سياسي آخر، يبقى تقييم حجمه وتأثيره من اختصاص الشعب السوداني، لا من اختصاص الحكومات أو التحالفات أو الضغوط الخارجية.
فإن كان الحزب قد فقد حاضنته الشعبية، فإن صندوق الاقتراع كفيل بإثبات ذلك، وإن كان لا يزال يحظى بتأييد قطاع من المواطنين، فإن حرمان هؤلاء من التعبير عن إرادتهم يمثل انتقاصًا من حقهم السياسي قبل أن يكون انتقاصًا من حق الحزب نفسه.
إن المرحلة التي يمر بها السودان بعد الحرب تفرض خطابًا وطنيًا جامعًا يقوم على المصالحة، وسيادة القانون، واحترام التعددية السياسية، بعيدًا عن منطق الغالب والمغلوب. فالدول لا تُبنى بالإقصاء، وإنما تُبنى بالشراكة الوطنية والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية.
كما أن أي حوار وطني لا يضم جميع المكونات السياسية الفاعلة، أو يقوم على استبعاد طرف بسبب الانتماء السياسي وحده، يظل حوارًا ناقصًا، وقد لا يحقق الغاية المرجوة منه، وهي الوصول إلى توافق وطني يُؤسس لاستقرار دائم.
إن المسؤولية التاريخية اليوم تقع على عاتق القيادة والقوى السياسية كافة في ترسيخ مبدأ أن الفيصل في المنافسة السياسية هو الشعب السوداني وحده، وأن صناديق الاقتراع هي الحكم العادل بين الجميع، فلا امتياز لحزب، ولا إقصاء لحزب، وإنما مساواة أمام القانون، واحترام لإرادة المواطنين.
وبذلك وحده يمكن أن ينتقل السودان من مرحلة الصراع حول من يحق له المشاركة، إلى مرحلة التنافس المشروع على خدمة الوطن، في ظل دولة القانون والمؤسسات، حيث تكون الكلمة الأخيرة للشعب، صاحب السيادة ومصدر الشرعية.
وإذا كان الحوار السوداني يُراد له أن يكون نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استقرارًا، فإن نجاحه مرهون بقدرته على استيعاب مختلف القوى الوطنية، وترك الحكم النهائي للشعب عبر انتخابات حرة، باعتبارها الوسيلة الدستورية الوحيدة لمنح الشرعية السياسية أو سحبها. فإرادة الشعب هي الأساس الذي تستند إليه أي عملية سياسية مستقرة، وهي الضمانة الحقيقية لبناء دولة يسودها القانون والتعددية والتداول السلمي للسلطة.
الله غالب