خالد محمد أحمد
تابعتُ باهتمامٍ حالة اللايقين التي سبقت خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن الحرب الإيرانية، الذي شغل الأوساط السياسية والإعلامية قُبيل إلقائه.
وأشدُّ ما استرعى انتباهي ذلك التخبُّط الواضح في قراءات المحلِّلين السياسيين والعسكريين والإعلاميين في مختلف المنصَّات الأمريكية والدولية بما فيها العربية وهم يحاولون استشراف مضمون الخطاب ومفاجآته المحتملة.
لم يقتصر الترقُّب على دوائر الإعلام، بل امتدَّ ليشمل صُنَّاع القرار، الذين تسمَّروا كما ملايين البشر حول العالم أمام الشاشات في انتظار ما سيحمله الخطاب من انعكاساتٍ على توازناتٍ دولية حسَّاسة ومصائر شعوب.
لقد درجت الإدارات الأمريكية السابقة على احترامٍ نسبي للمؤسسات، وعلى توازنٍ بين السلطات. وحتى في لحظات الخلاف، ظلَّ هناك خيطٌ ناظمٌ ومنطقٌ يمكن تتبُّعه في مسار القرارات. غير أن هذا النسق انقطع مع وصول ترمب إلى السلطة؛ إذْ دخل الرجل إلى المشهد السياسي بعقلية رجل أعمالٍ يسعى إلى الأمجاد الشخصية، فأدخل عنصرًا جديدًا قائمًا على شخصنة القرار السياسي الأمريكي، وهو ما جعل سلوك الإدارة الأمريكية الحالية وخلال فترة حكمه الأولى أقلَّ قابلية للتوقُّع في كثيرٍ من الملفَّات.
يمثِّل ترمب ظاهرةً سياسيةً عصيَّة على الإخضاع للأطر التحليلية التقليدية؛ فهو لا ينتسب إلى مدرسةٍ سياسيةٍ كلاسيكية، ولا يتحرَّك ضمن منظومةٍ مؤسسيةٍ مألوفة، ويبدو أن محاولات فهمه أو التنبؤ بقراراته أشبه بمحاولة قراءة مزاجٍ شخصي متقلِّب منها إلى تحليلٍ رصين لسياسات دولةٍ عظمى.
المتتبِّع لمسيرة الرجل لا يُخطئ هيمنة النزعة النرجسية الطاغية على سلوكه، وحرصه المَرَضي على جذب الانتباه، الذي بدا جليًّا حتى في التماسه الظهور في مشاهد تمثيلية ثانوية (كومبارس)، ليجِد نفسه فجأةً متربِّعًا على عرش أقوى سلطةٍ سياسيةٍ في العالم، وهو ما يفسِّر جزئيًا ميْله إلى تحويل القرارات مهما كانت خطورتها إلى أحداثٍ إعلاميةٍ مشحونة، مدفوعًا برغبةٍ عارمة في نقش إرثٍ تاريخي يُخلِّد اسمه في سِجلِّ الزعماء (الاستثنائيين)، ليطغى عنده البُعد الاستعراضي على البُعد الاستراتيجي.
ومَّما يعمِّق هذه النزعة تحرُّره من هاجس الخسارة في استحقاقاتٍ انتخابية كبيرة لاحقة، وهو ما دفعه إلى الانطلاق نحو خياراتٍ أكثر جرأةً وتهورًا. يُستثنَى من هذه المخاوف سباق التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.
على الصعيد الدولي، أربك هذا الأسلوب الحلفاء والخصوم على حدٍّ سواء، وجعل التعامل معه رهينًا بقراءة شخصيةٍ متذبذبة خارج إطار القواعد الدبلوماسية الراسخة.
وقد أثبتت التجارب أن سياسات الاحتواء، والمداراة، والاسترضاء قد تخفِّف من حِدَّة الاحتكاك، غير أنها لا تضمن استقرارًا حقيقيًا للعلاقة معه؛ فهو لا يتورَّع عن قلب الموازين حتى مع أقرب الحلفاء إذا رأى في ذلك مصلحةً آنية، أو مكسبًا إعلاميًا، أو فرصةً لإشباع نرجسيته ونزعة تضخيم الذات لديه. يتبدَّى ذلك في تعامله الفجِّ مع دول الخليج؛ فها هو ذا يستنزفهم ويبتزّهم، وكلَّما قالوا لخزائنه هل امتلأتِ، قالت: هل من مزيد؟
كيف ينجو السودان من تقلُّبات ترمب؟
أمَّا السودان، فتبدو خياراته في هذا الصدد شحيحةً في ظلِّ التعامل مع إدارةٍ ذات طابعٍ شخصي تستدعي مقاربةً مرِنة تتجاوز الأدوات الدبلوماسية التقليدية. وعليه أن ينتهج سياسةً قوامها المسايرة في مرحلةٍ يغلُب عليها تجنُّب الخسائر أكثر من تعظيم العوائد. غير أن هذه المسايرة لا تعني التفريط في الثوابت أو الانبطاح، بل إدارة علاقةٍ معقَّدةٍ بقدرٍ عالٍ من الحذر والوعي.
ومن المهم كذلك تجنُّب التسرُّع في رفض المقترحات الأمريكية قولًا واحدًا، والعمل بدلًا من ذلك على مقابلتها بتحسيناتٍ أو استدراكاتٍ تُخفِّف من آثارها وتُعيد تشكيلها لإبراز قدرٍ من المرونة الدبلوماسية وتفادي ترسيخ صورة التعنُّت. وينبغي في الوقت نفسه مواصلة طرح مبادراتٍ تضع السودان في موقع المبادر لا المتلقٍّي على غرار ما قام به رئيس الوزراء كامل إدريس في الأمم المتحدة.
ومن المهم أيضًا ضبط الخطاب السياسي والتصريحات وحصرها في قنواتٍ محدَّدة لتجنُّب التصعيد؛ فترمب شخصيةٌ لا يصلح معها الاستفزاز و”صرف البركاوي” إطلاقًا.
وبما أن الدبلوماسية الشخصية المباشرة غير متاحةٍ نظرًا لأن نرجسية ترمب تجعل اهتمامه محصورًا في الدول العظمى، أو تلك التي تحقِّق له مكاسب سريعة مرتبطة به شخصيًا، فمن الضروري الاستفادة من الوسطاء؛ فالشخصيات النرجسية مثله تتأثَّر عادةً بآراء وإطراء الدوائر المحيطة بها من أفرادٍ ومؤسساتٍ ودول. ولذلك، فإن الوصول إلى هذه المستويات والتأثير عليها قد يُسهِم في الحفاظ على قدرٍ من التوازن والاستقرار في العلاقة معه. ولا أعتقد أن الدبلوماسية السودانية ستغفل عن ضرورة الإفادة من تعدُّد مراكز التأثير داخل الإدارة الأمريكية، والحرص على بناء شبكة علاقاتٍ موازية تمتدُّ إلى الكونغرس ومراكز التفكير ووسائل الإعلام لتوفير قدرٍ من التوازن في مواجهة تقلُّبات القرار التنفيذي.
وفي الظرف الراهن، قد يكون من المُجدي البناء على ما بدأه الأمير محمد بن سلمان عبر تصوير أيِّ تدخُّلٍ إيجابي من ترمب في الحرب السودانية على أنه إضافةٌ إلى رصيده كرجل سلامٍ، وهي الصورة التي لطالما سعى إلى ترسيخها مُشيرًا إلى دوره في إخماد عددٍ من النزاعات قبل أن تتعرَّض هذه السرديَّة لاهتزازٍ بفعل رعونته بانزلاقه إلى الحرب الإيرانية، التي طاول ضررها الاقتصادي جيوب الأمريكيين.
كما يجب الانتباه إلى أن ترمب، بخلفيته التجارية، يميل إلى الاستجابة للخطاب القائم على منطق الربح والخسارة، ويُولِي أهميةً أكبر للإنجازات السريعة والصفقات القابلة للتسويق إعلاميًا، وخاصةً تلك المرتبطة بالمكاسب الاقتصادية والأمنية المباشرة، مقارنةً بالاستجابة للطروحات النظرية أو المبدئية.
خلاصة القول إن التعامل مع إدارةٍ ذات طابعٍ غير تقليدي يتطلَّب الانتقال من الدبلوماسية النمطية إلى مقاربةٍ أكثر براغماتيةً وتكُّيفًا تقوم على فهم تداخل العوامل الشخصية والمؤسسية في صناعة القرار الأمريكي. على أن النجاح في هذا المسار لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب كبيرة بقدر ما يعني تقليل المخاطر والأضرار، والحفاظ على الحدِّ الأدنى من الاستقرار في العلاقة مع واشنطن. أمَّا ما يتجاوز المقترحات الواردة في هذه المقالة للتعامل مع هذا الرئيس الغريب الأطوار، فموكولٌ إلى “جرِّ السِّبْحة” ترقُّبًا لما قد تجود به الأقدار من لطفٍ.