بقلم: مصطفى عبد الحليم محمود
دبلوماسي سوداني
في خضم الأزمة السودانية المستمرة، التي اندلعت في أبريل 2023 عقب تمرد مسلح نفذته ميليشيا الجنجويد الإجرامية الخارجة عن القانون ضد الحكومة السودانية ومؤسساتها الشرعية، يواجه المراقبون للاستجابة الدولية مفارقة أخلاقية صارخة. فقد اتسعت الفجوة بين الخطاب الرسمي والتحرك الفعلي بشكل مقلق. فرغم الحديث المتكرر عن حماية المدنيين واستعادة الاستقرار، لا يزال التدخل الفعلي والفعّال غائبًا بشكل لافت. هذا الصمت مستمر على الرغم من التوثيق الواسع للفظائع التي ارتكبتها الميليشيا المتمردة، بما في ذلك القتل الجماعي، والعنف الجنسي المنهجي، والتهجير القسري، والتدمير المتعمد للبنية التحتية المدنية.
لفهم هذا التناقض، من المفيد العودة إلى فكرة طرحها منذ أكثر من قرن عالم الاجتماع والاقتصاد السياسي الألماني ماكس فيبر (1864 – 1920)، والذي يُعد أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في تشكيل المجتمع الغربي الحديث.
فرّق فيبر بوضوح بين طريقتين للتفكير في الأخلاق في الحياة السياسية (فيبر، 1919): الأولى قائمة على المبادئ الأخلاقية والتصريحات النبيلة، حيث يُعطى للنية النقية أهمية تفوق النتائج. أما الثانية، والتي وصفها بـ”أخلاق المسؤولية”، فهي ترى أن السياسيين يجب أن يُحكم عليهم بناءً على النتائج المتوقعة لقراراتهم، مما يفرض عليهم وزن المصالح والمخاطر والنتائج قبل اتخاذ أي خطوة.
في تعاطي المجتمع الدولي مع السودان، يدّعي أنه يسترشد بالمنطق الثاني، أي بأخلاق المسؤولية. لكن ما نشهده فعليًا ليس تحركًا مسؤولًا، بل استخدامًا واقعيًا للسياسة كذريعة مريحة للشلل. فرغم التصريحات المتكررة حول حماية المدنيين، ودعم الانتقال الديمقراطي، وتأمين وقف إطلاق النار، لا تزال المشاركة الدولية مترددة، متأخرة، وانتقائية بشكل عميق. المساعدات الإنسانية لا تزال دون مستوى الكارثة، والمبادرات الدبلوماسية متوقفة، وملايين السودانيين مكشوفون أمام التهجير الجماعي والعنف العشوائي.
تتفاقم هذه الخيبة عندما نقارنها بسرعة وحزم رد الفعل الدولي تجاه أزمات أخرى، أبرزها الحرب في أوكرانيا، حيث تم حشد دعم سياسي وعسكري غير مسبوق في وقت قصير للغاية. لا يمكن تبرير هذا التفاوت على أساس اختلاف القيم أو المبادئ، بل يكشف حقيقة أكثر إزعاجًا: أن التحرك الدولي يُشكَّل بدرجة أقل بحجم المعاناة الإنسانية، وبدرجة أكبر بوزن المصالح الاستراتيجية.
وقد حذر فيبر بوضوح من هذا النوع من التشوه الأخلاقي، مؤكدًا أن الفاعلين السياسيين يجب أن يُحاسبوا لا على نُبل نواياهم، بل على النتائج الملموسة لخياراتهم. ووفقًا لهذا المعيار، فإن نتائج الصمت الدولي على السودان لا تخفى: دولة تحت ضغط شديد، ومع ذلك ظلت متماسكة، ومؤسسات وطنية واصلت أداءها، وسلطة قاومت التفتت رغم التمرد المسلح والإهمال الخارجي المستمر.
وعلى نطاق أوسع، تكشف الأزمة السودانية عن التسلسل الهرمي الأخلاقي المتجذر في النظام الدولي المعاصر، والذي تهيمن عليه مراكز قوى عالمية تحدد درجة الاستعجال لا بناءً على مبادئ شاملة، بل وفقًا لمعايير الراحة الاستراتيجية. وقد أدت هذه القوى إلى إفراغ مفهوم المسؤولية الجماعية من مضمونه، وحصر التدخل الحاسم في الأزمات التي تتقاطع مع مصالحها الجيوسياسية، في حين تُترك الأزمات الأخرى للتجاهل الطويل. وبهذا المنطق، لا يُنظر إلى السودان كدولة ذات سيادة تواجه تمردًا مسلحًا يهدد تماسكها الوطني واستقرار الإقليم، بل كأزمة هامشية لا تستحق التزامًا دوليًا مستمرًا، مهما بلغ الثمن السياسي والإنساني الناتج عن هذا التجاهل المحسوب.
في نهاية المطاف، أصبحت الأزمة السودانية اختبارًا أخلاقيًا حاسمًا للمجتمع الدولي، اختبارًا لا يكشف عن ضعف الدولة السودانية، بل عن عمق تخلّي العالم عن مسؤوليته. فقد أظهرت هذه الأزمة كيف يمكن أن ينزلق خطاب الواقعية السياسية إلى لا مبالاة استراتيجية، تُستخدم كغطاء مريح للتردد والجمود. ومع ذلك، وبرغم هذا الإهمال المستمر، فقد أظهرت الدولة السودانية قدرًا ملحوظًا من الصمود. إذ ظلت مؤسساتها المركزية قائمة، وسيادتها مصانة، وسلطتها متمسكة بمواجهة ميليشيا متمردة تسعى لتقويض النظام الدستوري.
ورغم الإهمال الخارجي المطوّل، لم تتفتت الدولة، ولم تنهار، بل واصلت أداءها، وواجهت التفكك، وحافظت على تماسكها الوطني. وكما يذكّرنا ماكس فيبر، فإن المسؤولية في السياسة لا تقوم فقط على حساب المصالح، بل على تحمّل العواقب الأخلاقية للصمت. وفي حالة السودان، فإن هذا الصمت يتناقض بشكل صارخ مع دولة صمدت، ودافعت عن وحدتها، وحافظت على بنيانها الأساسي تحت ضغط استثنائي.
وهنا يظل السؤال قائمًا وملحًا:
هل يمكن للعالم أن يتجاوز أخلاقه الانتقائية ويتعامل مع الأزمة السودانية ككارثة إنسانية، لا كمجرد هامش جيوسياسي؟
أم أن أخلاقيات السياسة الدولية ستظل تُستدعى فقط حين تتوافق مع المصالح، وتُركن جانبًا حين ترتفع كلفة التحرك، تاركة دولة ذات سيادة تدافع عن وحدتها واستقرارها وشعبها إلى حدٍ كبير بمفردها؟