عبد الناصر سلم حامد
وصف الأزمة في السودان بأنها “متروكة” لا “منسية”، كما أشارت دينيس براون، يحمل دلالة أعمق من مجرد ضعف الانتباه الدولي؛ فهو ينقل المسألة من غياب المعرفة إلى غياب الإرادة. فالأزمة “المنسية” تعني أن العالم لم يطّلع بما يكفي على حجم الكارثة، أما “المتروكة” فتعني أن المعلومات متوفرة والتقارير حاضرة، لكن الفعل الدولي لا يوازي هذا الإدراك. بهذا المعنى، يصبح الوصف إدانة ضمنية للتقاعس الدولي، حيث لا يكمن الخلل في الرصد أو التوثيق، بل في غياب الاستجابة الحاسمة.
هذا التوصيف يعكس فشلًا في ترجمة المعرفة إلى سياسات فعالة، رغم توفر تقارير وتحذيرات من منظمات دولية حول المجاعة والانتهاكات. كما يكشف عن انتقائية في التعامل مع الأزمات، إذ لا تُبنى الاستجابات على أسس إنسانية خالصة، بل تتأثر باعتبارات الجغرافيا السياسية، والوزن الإعلامي، وحسابات النفوذ. وبهذا، لا تبدو الأزمة السودانية غائبة عن الوعي الدولي، بل مزاحة عنه، وهو ما يجعل “الترك” أكثر قسوة من “النسيان”، لأنه يحمل معنى التخلي لا الإهمال العرضي.
الأرقام المتداولة، مثل وجود 33 مليون شخص بحاجة إلى المساعدة، لا تمثل مجرد بيانات إحصائية، بل تعكس انهيارًا شاملًا في البنية المجتمعية. فهذا الرقم يدل على أن الأزمة لم تعد محصورة في نطاق ضيق، بل أصبحت تمس معظم المجتمع، ما يعني فقدان مقومات الحياة الأساسية مثل الغذاء والصحة والماء والأمان. وعندما يصل الاحتياج إلى هذا المستوى، فإننا نكون أمام حالة تفكك هيكلي، لا أزمة طارئة. كما أن ارتفاع وفيات الأطفال يضيف بعدًا نوعيًا خطيرًا، إذ يكشف عن انهيار النظام الصحي وسوء التغذية وتعطل سلاسل الإمداد، ما يجعل الموت نتيجة غير مباشرة للحرب بقدر ما هو نتيجة مباشرة لها.
الإشارة إلى “تدفق غير مشروع ومستمر للأسلحة” تكشف أن النزاع لم يعد داخليًا خالصًا، بل مرتبط بشبكات عابرة للحدود تغذيه وتطيل أمده. فاستمرار توفر السلاح يحوّل الحرب إلى نظام قائم بذاته، ويخلق ما يُعرف باقتصاد الحرب، حيث تستفيد بعض الأطراف من استمرار الصراع ماديًا وسياسيًا. وهذا التدفق لا يمدّ الأطراف بالقدرة القتالية فحسب، بل يضعف الحوافز للتفاوض ويرفع مستوى العنف، كما يعكس خللًا في الرقابة الدولية على حركة السلاح.
الجهات التي تغذي النزاع لا تقتصر على الأطراف المحلية، بل تشمل شبكات تهريب، وفاعلين اقتصاديين، وربما قوى إقليمية تسعى لتحقيق مصالح استراتيجية. فالحرب في هذا السياق تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح، حيث يمكن أن تُستغل الموارد في ظل غياب الدولة، وتُوظف الفوضى لتحقيق مكاسب. كما أن تغذية النزاع لا تتم فقط عبر السلاح، بل أيضًا عبر التمويل والخطاب التحريضي وتقويض جهود التسوية.
ضعف الزخم الدولي في التعامل مع الأزمة مقارنة بأزمات أخرى يعكس طبيعة النظام الدولي القائم على المصالح لا القيم. فالأزمات التي تمس مصالح القوى الكبرى أو ترتبط بأمنها تحظى عادة باستجابة أكبر، بينما قد تُهمّش أزمات إنسانية ضخمة إذا لم تُترجم إلى تهديد مباشر لتلك المصالح. كما يلعب الإرهاق الدولي من تعدد الأزمات، وتعقيد المشهد السوداني، وضعف التغطية الإعلامية، دورًا في تقليل مستوى التحرك.
استمرار الحرب لا يهدد الداخل السوداني فقط، بل يحمل تداعيات إقليمية واسعة، من خلال موجات النزوح، وانتشار السلاح، وإعادة تشكيل التوازنات في المنطقة. كما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار الدول المجاورة، ويحوّل السودان إلى مصدر للهشاشة بدل أن يكون جزءًا من الاستقرار الإقليمي.
الانتهاكات الموثقة، مثل العنف الجنسي والمجازر والحصار، تشير إلى أن الحرب تجاوزت حدود المواجهة العسكرية إلى استهداف المجتمع نفسه. هذه الممارسات تدمّر النسيج الاجتماعي، وتزرع الخوف، وتعقّد فرص المصالحة مستقبلًا، لأنها تترك آثارًا عميقة لا تقتصر على الضحايا المباشرين بل تمتد إلى المجتمع بأكمله.
ارتفاع وفيات الأطفال يعكس انهيارًا مركبًا، حيث يتقاطع سوء التغذية مع انهيار الخدمات الصحية وتلوث المياه والنزوح، ما يجعل الأطفال أكثر عرضة للموت. وفي كثير من الحالات، تكون هذه الوفيات نتيجة غير مباشرة للحرب، لكنها أكثر عددًا وخطورة.
المجاعة والحصار لا يهددان الحاضر فقط، بل يعيدان تشكيل مستقبل الأجيال، عبر تأثيرهما على النمو الجسدي والعقلي، وتعطيل التعليم، وإعادة إنتاج الفقر والهشاشة. كما يتركان آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، ويجعلان إعادة بناء المجتمع أكثر تعقيدًا.
خطاب أنطونيو غوتيريش يعبّر عن إدراك دولي لحجم الكارثة، لكنه يكشف أيضًا حدود الفعل الأممي، إذ تظل قدرته على التأثير مرتبطة بإرادة الدول الكبرى. فهو يحافظ على حضور الأزمة في النقاش الدولي، لكنه لا يملك أدوات تنفيذية كافية لفرض الحلول.
المؤسسات الدولية تتحمل مسؤولية جزئية عن تفاقم الأزمة، ليس لأنها السبب المباشر، بل بسبب بطء الاستجابة وضعف آليات الردع والتنفيذ. كما تعكس الأزمة حدود الحوكمة العالمية، حيث تعتمد فعالية هذه المؤسسات على توافق الدول، وهو ما يغيب غالبًا في النزاعات المعقدة.
تحرك العالم بجدية يتطلب انتقال الأزمة من مستوى التعاطف إلى مستوى الأولوية السياسية، عبر ضغط إعلامي وحقوقي مستمر، وإجراءات ملموسة مثل وقف تدفق السلاح وفرض عقوبات ودعم المساءلة. كما يتطلب توافقًا دوليًا على أن كلفة استمرار الحرب تفوق كلفة إنهائها.
في هذا السياق، يمكن أن تتحول الأزمة السودانية إلى نموذج كاشف لفشل النظام الدولي، ليس لأنه يجهل ما يحدث، بل لأنه يعجز عن تحويل المعرفة إلى فعل. فهي تكشف حدود الوقاية، وضعف إدارة التصعيد، وازدواجية المعايير، وعجز المؤسسات عن التعامل مع النزاعات المركبة. وبذلك، لا تعكس الأزمة مأساة محلية فحسب، بل أزمة أعمق في بنية النظام الدولي ذاته، حيث تبقى المبادئ حاضرة في الخطاب، لكنها غائبة في التطبيق.