رأي

الزواج السوداني في المهجر: من إرث “تغطية القدَح” إلى سَعة الماعونلا (2-1)

خالد محمد أحمد

في إحدى المدن الغربية، يقف أبٌ سوداني أمام سؤالٍ لم يكن يتصوَّر يومًا أن يقتحم تفاصيل حياته.

ابنته، التي نشأت وتعلَّمت في مجتمعٍ غير مجتمعه، تُصارحه برغبتها في الزواج من شابٍ غير سوداني لا يُعرَف عنه ما يُطمْئن؛ فلا أُسْرة ممتدَّة، ولا شبكة علاقاتٍ، ولا سيرة اجتماعية يمكن الرجوع إليها أو السؤال عنها.

في تلك اللحظة، ينفتح داخله صراعٌ حادٌّ، ويدخل في تنازعٍ بين عالمٍ خلَّفه وراءه، وآخر يعيش فيه دون أن يملك مفاتيحه كاملة.

هذه ليست حالةً فردية، إذْ يبدأ القلق في التسلُّل إلى نفوس أولياء الأمور في الغرب مع اقتراب أبنائهم من سنِّ الزواج؛ فتتولَّد حالةٌ من التجاذب بين التكيُّف مع معايير الزواج في المجتمع المستضيف، وبين التمسُّك بصورةٍ ذهنية للزواج متجذِّرة في فضاءٍ اجتماعي لم يَعُد قائمًا؛ فمسألة الزواج، التي كانت في السودان امتدادًا طبيعيًا لشبكةٍ اجتماعية واسعة تحكمها اعتباراتُ القرابة والقبيلة والتكافؤ الاجتماعي والاقتصادي، لم تَعُد تحتفظ بالمعنى ذاته خارج بيئتها الأصلية؛ بل إن تلك المنظومة التقليدية نفسها ما فتئت تتفكَّك شيئًا فشيئًا حتى داخل السودان نفسه بفعل الانفتاح الذي فرضته الطفرة التقنية واتَّساع دوائر الاحتكاك بمجتمعاتٍ أكثر تنوُّعًا.

غير أن الهجرة أظهرت بُعْدًا جديدًا لاختلال المنظومة التقليدية وإعادة توزيع موازين السلطة داخل الأُسْرة لصالح نزعة الاستقلال الفردي؛ فلم يَعُد وليُّ الأمر “صانعَ قرارٍ” أساسي كما كان، بل تراجع تدريجيًا إلى موقعٍ أصبحت فيه مشورته أقرب إلى إجراءٍ رمزي منه إلى سلطةٍ حاسمة، إذْ نشأ الأبناء في بيئةٍ ترى الزواج خيارًا فرديًّا خالصًا يقوم على التوافق العاطفي والفكري خارج حدود المنظومة الأبويَّة التقليدية، وهو ما يُشكِّل فجوةً صامتة عميقة بين منظومتين قيميِّتين وجيلين يتحدثان لغتين مختلفتين عن الشيء ذاته. ولا ينفي ذلك وجود استثناءاتٍ بطبيعة الحال.

تتَّسع هذه الفجوة بصورةٍ أوضح حين يتعلَّق الأمر بالفتيات؛ إذْ يُبْدي كثيرٌ من أولياء الأمور قدرًا من المرونة والتساهل تجاه زواج الأبناء الذكور من غير السودانيات، بينما يظلُّ زواج البنات مُحاطًا بدرجةٍ أعلى من التحفُّظ والحساسية. ولا يُعزَى هذا التباين إلى اختلافٍ في المعايير، بل يرتبط بترسُّباتٍ ثقافية راسخة ما زالت ترى في زواج الذكر امتدادًا طبيعيًا للعائلة، بينما تُحمِّل زواج الأنثى دلالة الانفصال عن هذا الامتداد.

تزداد هذه المعادلة تعقيدًا في المهجر، حيث تتقلَّص فرص التعارف بين أفراد المجتمع السوداني مقارنةً بما هي عليه في الداخل. ومع اتّساع دوائر الدراسة والعمل يصبح الاحتكاك اليومي بأشخاصٍ من جنسياتٍ وثقافات مختلفة أمرًا طبيعيًا، بل لا مفرَّ منه؛ فتتَّسع خيارات الأبناء، بينماُ تظلُّ تصوُّرات الآباء حبيسة ذاكرةٍ اجتماعية لم يَعُد لها حضورٌ فعلي على أرض الواقع.

إزاء هذه التحوُّلات، تميل بعض الأُسَر إلى التفكير في حلولٍ وسط، أحيانًا بعيدًا عن أصحاب الشأن أنفسهم. غير أن هذا التوجُّه يتعارض مع طريقة تفكير الأبناء في مسألة الزواج، إذْ يغلُب عليها منطق الاستقلالية واعتبار الزواج قرارًا شخصيًا لا يقبل التدخُّل. كما ينظر الأبناء إلى الزواج المُرتَّب، وإنْ شئت المدبَّر (arranged marriage)، وفقًا للبيئة التي نشأوا فيها، على أنه أمرٌ مثقلٌ بالوصمة، الأمر الذي يدفعهم إلى رفض حتى مناقشة الفكرة بمجرَّد إحساسهم بوجود ترتيبٍ مسبق. لذلك، يُنصَح أولياء الأمور بعدم طرح المسألة مباشرةً، بل الأجدى هو تهيئة الظروف وترك مساحةٍ طبيعية للتعارف والتواصل بين الأطراف المعنيَّة، على أمل أن يُيسِّر الله ما فيه الخير.

من الخيارات التي يلجأ إليها بعض أولياء الأمور في هذا الجانب تشجيع الأبناء على قضاء فترة الدراسة الجامعية في السودان، حيث يُتيح لهم هذا الخيار فرصة التعرُّف على سودانيين وسودانيات من خلال احتكاكٍ يومي أعمق وأطول، خلافًا للزيارات القصيرة التي غالبًا ما تقتصر على اللقاءات العابرة التي لا تمنح فرصةً كافية لتكوين علاقاتٍ ذات مغزى. وقد أثمرت هذه المحاولة بالفعل في بعض الحالات زيجاتٍ ناجحة. غير أن هذا الخيار ليس مُتاحًا لكلِّ المهاجرين.

يتبع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى