دكتورة ميادة سوار الدهب
في الحروب الكبرى، لا تقاس قوة الدول فقط بما تحققه القوات في الميدان، وإنما كذلك بما تحققه الدبلوماسية في المحافل الدولية وعلى موائد التفاوض وفي معركة كسب الرأي العام العالمي. فالميدان قد يوقف التهديد مؤقتا، لكن الدبلوماسية وحدها هي القادرة على تثبيت المكاسب، وتحصين السيادة، ومنع عزل الدولة أو تشويه صورتها أو إعادة تعريف قضيتها وفق روايات الخصوم.
وفي الحالة السودانية، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فالسودان يواجه حربا معقدة ومتشعبة، لم تعد مجرد مواجهة داخلية، بل تحولت إلى صراع مفتوح تتداخل فيه الأجندات الإقليمية، والتدخلات العابرة للحدود، وحملات التضليل السياسي والإعلامي، في ظل ما تصنفه تقارير دولية كواحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم.
ورغم خطورة هذه المرحلة، لا يمكن إغفال أن وزارة الخارجية السودانية نجحت خلال فترات مختلفة من هذه الحرب في تحقيق اختراقات مهمة، وأسهمت في تثبيت مواقف السودان في عدد من المحافل الإقليمية والدولية، كما اضطلعت بعثاتها الدبلوماسية بدور مقدر في الدفاع عن مؤسسات الدولة وتوضيح طبيعة الأزمة السودانية.
غير أن طبيعة الحرب نفسها، وتعقيداتها المتزايدة، واتساع أبعادها الإقليمية والإنسانية والإعلامية، جعلت تلك المساعي تبدو غير موازية لمستوى التحديات المتسارعة. فكلما طال أمد الحرب، ازدادت الحاجة إلى تحرك دبلوماسي أكثر كثافة ومرونة وتنوعا، قادر على مواكبة التحولات اليومية، وفتح مسارات متعددة للعمل السياسي والقانوني والإعلامي والإنساني في آن واحد.
ولذلك فإن التحدي الأساسي لا يتمثل في غياب الحراك الدبلوماسي، وإنما في ضرورة تطويره وتوسيع نطاقه بما يواكب تعقيدات المرحلة وحجم المتغيرات المتسارعة.
فالسودان اليوم لا يواجه فقط تمردا مسلحا، وإنما يواجه كذلك عدوانا خارجيا وحربا على صورته، وعلى روايته، وعلى شرعيته، وعلى حقه في الدفاع عن سيادته الوطنية. كما يواجه حملات منظمة لعكس واقع مغلوط عن طبيعة الصراع، وتقديم الحرب للمجتمع الدولي بصورة مبتورة أو مضللة تتجاهل حجم الجرائم والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون السودانيون.
لقد شهد السودان خلال هذه الحرب جرائم جسيمة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، شملت القتل الجماعي، والانتهاكات الواسعة بحق المدنيين، وعمليات التهجير القسري، والتطهير العرقي في بعض المناطق، فضلا عن أكبر موجة نزوح ولجوء شهدها العالم خلال الفترة الأخيرة. ومع ذلك، لا يزال الخطاب السوداني الرسمي في الخارج لا يرقى إلى مستوى الكارثة وحجم التحديات التي تواجه البلاد.
إن معركة السودان اليوم ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وعي ورأي عام ومؤسسات دولية وقرارات سياسية. ولذلك فإن الحراك الدبلوماسي لا يقل أهمية عن الميدان، بل ربما يكون في بعض المراحل أكثر تأثيرا منه. فما لم يحققه الميدان يمكن أن تحققه الدبلوماسية، وما تعجز عنه القوة العسكرية قد تفرضه الإرادة السياسية عبر المؤسسات الدولية والتحالفات الإقليمية.
وكان يفترض أن تنشط البعثات السودانية في الخارج بصورة أكثر نشاطا وفاعلية، عبر تقديم ملفات موثقة عن الانتهاكات، وتنظيم حملات ضغط قانونية وإعلامية وسياسية، والتواصل المستمر مع الحكومات والبرلمانات ومراكز القرار ومنظمات المجتمع الدولي، إضافة إلى تفنيد الروايات المضللة التي تسعى إلى إعادة توصيف الصراع بصورة تساوي بين الدولة وجيشها ومن يحمل السلاح ضدها.
كما أن ملف النازحين واللاجئين السودانيين يحتاج إلى حراك دبلوماسي وإنساني واسع، يتجاوز البيانات التقليدية، نحو بناء شراكات حقيقية مع المنظمات الدولية والدول المستضيفة، بما يضمن حماية السودانيين بالخارج، وتحسين أوضاعهم، ومنع استغلال مأساتهم سياسيا.
أما الأخطر من ذلك، فهو التصعيد المتزايد باستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة في الحرب، وسط تقارير وتحليلات دولية تحدثت عن وجود منصات إطلاق ومسيّرات بعيدة المدى في مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، خاصة قرب مطار نيالا، وفق صور أقمار صناعية وتحليلات نشرتها جهات بحثية وتقارير إعلامية دولية.
وفي ظل تقارير وتحليلات متقاطعة تؤكد وجود أدوار ودعم عابر للحدود في تشغيل وإسناد هذه المسيّرات، بما يمثل انتهاكا مباشرا لسيادة السودان، فإن المطلوب من الدبلوماسية السودانية ليس التلويح بخيارات التصعيد العسكري خارج الحدود، وإنما بناء مسار دبلوماسي وقانوني متكامل يواجه أي اعتداءات أو تدخلات عبر مؤسسات المجتمع الدولي، ممثلة في مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي، والإيغاد، والمحاكم والآليات القانونية المختصة.
فالدبلوماسية الذكية هي التي تحول الانتهاك إلى ملف إدانة دولية، وتحول الاعتداء إلى ضغط سياسي وقانوني على الأطراف المتورطة، دون الانزلاق إلى توسيع دائرة الحرب إقليميا.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الدبلوماسية الرئاسية حققت اختراقات مهمة خلال الفترة الماضية، وأسهمت في تحقيق مكاسب سياسية انعكست إيجابا على معركة الكرامة، خاصة في الملفات الحساسة التي تحتاج إلى سرعة حركة ومرونة واتصالات مباشرة على مستوى القادة.
غير أن الدبلوماسية الرئاسية، مهما بلغت فعاليتها، لا يمكن أن تكون بديلا عن وزارة الخارجية ومؤسساتها. فالأصل أن تكون مكملة لها، لا أن تتحول إلى البديل العملي عنها. إذ إن إدارة العلاقات الخارجية للدولة تحتاج إلى عمل مؤسسي متكامل، يمتلك الاستمرارية، والقدرة على المتابعة، وإدارة التوازنات الدولية بصورة احترافية.
كما أن الحراك الأخير لمستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون الخارجية، رغم ما أحدثه من نشاط ملحوظ واتصالات مع جهات معتبرة، إلا أن طبيعة هذا التحركات كانت تتطلب في بعض الملفات معالجة أكثر هدوءا وتحفظا بما ينسجم مع تعقيدات العمل الدبلوماسي وحساسية الاتصالات السياسية.
فالدبلوماسية الناجحة ليست فقط في المبادره ، وإنما كذلك في إدارة المعلومات، وضبط الرسائل، والحفاظ على سرية بعض المسارات الحساسة. إذ إن المبادرة إلى نشر تفاصيل الاتصالات والاجتماعات عبر وسائل الإعلام قد يحرج بعض الأطراف، ويضعف قدرتها على التحرك، ويؤثر سلبا على فرص تحقيق الأهداف المرجوة من تلك المحادثات.
فالجهة المعنية أولا بهذه التفاصيل هي قيادة الدولة، عبر تقارير دقيقة ومغلقة، لا عبر الاستعراض الإعلامي المفتوح. لأن بعض المعارك الدبلوماسية تكسب بالصمت أكثر مما تكسب بكشف التفاصيل.
إن السودان اليوم في حاجة إلى إعادة تعريف دوره الدبلوماسي بصورة عاجلة، عبر الانتقال من حالة رد الفعل إلى صناعة المبادرة، ومن البيانات التقليدية إلى الدبلوماسية الهجومية الذكية، ومن الموسمية إلى الحراك المستمر.
فالدولة التي تواجه هذا النوع من التحديات المركبة، تحتاج إلى تكامل أدواتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية، بما يضمن أن يكون صوتها حاضرا بوضوح في كل المحافل، وأن تعكس روايتها الحقيقية للعالم دون تشويه أو اختزال.
وفي هذا المنحى، نشجع وندعم الجهود التي تبذلها الدبلوماسية السودانية في هذه المرحلة الدقيقة، ونؤكد الثقة في تاريخها العريق وقدرتها على أداء دورها الوطني في الدفاع عن مصالح السودان في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.
كما نثمن ما تبذله وزارة الخارجية وطاقمها الدبلوماسي الحالي، بقيادة وزير الخارجية صاحب الخبرة والكفاءة، من جهود متواصلة في إدارة هذا الملف المعقد والتعامل مع تحدياته المتسارعة، بما يعزز حضور السودان الخارجي ويدعم الدفاع عن مصالحه الوطنية في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.
غير أن حجم وتعقيد التحولات التي تشهدها الأزمة السودانية، واتساع أبعادها السياسية والإعلامية والإنسانية، يفرض مواصلة تطوير الأدوات الدبلوماسية ورفع وتيرة الحراك الخارجي، بما يواكب سرعة الأحداث وتعدد مساراتها، ويعزز قدرة السودان على التأثير في مراكز القرار الإقليمي والدولي.
وفي ضوء ذلك، يظل السودان بحاجة إلى دبلوماسية أكثر مرونة وفاعلية واستمرارية، قادرة على الانتقال من إدارة ردود الأفعال إلى صناعة المبادرة، ومن العمل التقليدي إلى الحضور المؤثر في تشكيل المواقف الدولية، بما يخدم حماية السيادة الوطنية وصون المصالح العليا للدولة.