✍️ طارق حمد احمد
من يتجول في الخرطوم هذه الأيام يلاحظ ظاهرة لافتة لا تحتاج إلى تقارير رسمية ولا تحليلات معقدة:
المدينة التي أحرقتها الحرب، بدأت تستقبل موجة جديدة من الوافدين الأجانب — سوريون، مصريون، أتراك، يمنيون — أغلبهم لم يأتِ نازحًا ولا هاربًا، بل جاء بعين المستثمر، بعقل التاجر، وبمنطق “الفرصة تولد من رحم الفوضى”.
مطاعم تُفتح. ورش تعمل. محلات تُجهز. حرفيون وفنيون يتحركون بثقة.
هؤلاء لا ينظرون إلى الخرطوم كمنطقة كوارث… بل كسوق بكر بعد الانهيار.
منطقهم بسيط جدًا:
الحرب دمّرت العرض، ورفعت الطلب.
البنية التحتية متضررة = أعمال صيانة لا تنتهي.
المحال أغلقت = مساحات جاهزة لمن يملأ الفراغ.
رأس المال المحلي منهك = المنافسة ضعيفة.
باختصار: السودان الآن، في نظر المستثمر الذكي، مرحلة ما بعد الحريق… حيث تبدأ إعادة البناء، وهنا تُصنع الثروات.
المفارقة المؤلمة
بينما الأجنبي يدخل الخرطوم ليبدأ من الصفر،
جزء معتبر من السودانيين ما زال يعيش عقلية “الانتظار”.
ينتظر استقرارًا كاملًا.
ينتظر دولة مثالية.
ينتظر أمانًا مطلقًا.
ينتظر ضمانات لا توجد حتى في الدول المستقرة.
وفي الأثناء… غيره يتحرك.
الاقتصاد لا يعرف العواطف، ولا يعترف بالمظلومية، ولا يمنح فرصًا لمن يتقن الشكوى أكثر من الفعل.
السوق يذهب لمن يجرؤ، لا لمن يبرر.
من يفهم ما يحدث الآن؟
ما يحدث في الخرطوم ليس عودة حياة عادية… بل بداية مرحلة “اقتصاد ما بعد الحرب”.
وهذه أخطر وأهم مرحلة في تاريخ أي دولة خرجت من صراع.
في هذه اللحظة تحديدًا:
تتحدد من يسيطر على الأسواق.
تتشكل شبكات النفوذ الاقتصادي الجديدة.
تُعاد صياغة موازين القوة داخل المجتمع.
الذي يدخل الآن، يتموضع مبكرًا.
والذي يتأخر… سيجد نفسه لاحقًا عاملًا في سوق كان يمكن أن يكون شريكًا في تأسيسه.
الرسالة القاسية التي لا يحب أحد سماعها
الحرب سلبت الجميع، نعم.
لكنها أيضًا أعادت توزيع الفرص.
العالم لا ينتظر أن تشفى نفسيًا.
السوق لا ينتظر أن تكتمل قناعاتك.
الفرص لا تقف احترامًا لمشاعر أحد.
إما أن تكون جزءًا من مرحلة إعادة البناء…
أو ستعود لاحقًا لتعيش في اقتصاد صنعه غيرك، وتشتكي من الغلاء، ومن سيطرة الأجانب، ومن ضياع الفرص.
الخلاصة الاستراتيجية
الخرطوم الآن ليست مدينة منكوبة فقط…
هي ورشة مفتوحة بحجم دولة.
والسؤال الحقيقي ليس:
“الوضع آمن ولا لا؟”
السؤال هو:
من الذي سيسيطر على اقتصاد السودان بعد الحرب؟
الذين بدأوا الآن… أم الذين ما زالوا ينتظرون؟