سؤال اليوم
الأحداث – سماح طه
منذ استقلال السودان، ظل الحوار والتفاوض أحد أدوات معالجة الأزمات السياسية والحروب، لكن التجربة السودانية أثبتت أن الاتفاق على مبدأ الحوار لا يعني بالضرورة الاتفاق على من يشارك فيه، وأين يُعقد، ومن يديره، وما أجندته ومخرجاته.
وشهد السودان محطات تفاوض وحوار عديدة، من اتفاقية أديس أبابا عام 1972، إلى اتفاقية السلام الشامل عام 2005، ثم الحوار الوطني، واتفاق جوبا للسلام عام 2020، وصولاً إلى المبادرات والمسارات التي أعقبت اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. وفي كل تجربة ظل الجدل قائماً حول مدى شمول العملية السياسية وقدرتها على معالجة جذور الأزمة، وليس فقط وقف القتال أو تقاسم السلطة.
اليوم يعود مصطلح «الحوار السوداني–السوداني» إلى الواجهة، وسط حديث عن ترتيبات لحوار سياسي داخل السودان، يقوده رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في وقت تتعدد فيه المبادرات والمسارات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب.
لكن الدعوة لم تمر دون خلاف، إذ ترى قوى سياسية أن الحوار الداخلي يمكن أن يمثل مدخلاً لاستعادة القرار الوطني وبناء الدولة، بينما ترى قوى أخرى أن عقده في مناطق سيطرة الجيش قد يجعله غير شامل، ويكرس واقع الانقسام العسكري والسياسي.
وبينما يدعو البعض إلى حوار سوداني شامل في أرض محايدة، يشدد آخرون على أن الحوار يجب أن يكون داخل السودان، وأن العبرة ليست بمكان انعقاده وإنما بأجندته ومخرجاته والضمانات التي تحكمه.
وهنا تتجاوز القضية سؤال: هل نتحاور أم لا؟ إلى أسئلة أكثر تعقيداً: من يشارك؟ ومن يُستبعد؟ هل يكون الحوار داخل السودان أم خارجه؟ هل يبدأ بوقف إطلاق النار؟ وما موقع القوى السياسية والمسلحة؟ وهل يمكن أن يكون الحوار مستقلاً عن أطراف الحرب وعن الضغوط الخارجية في الوقت نفسه؟
ومن هنا يأتي سؤال اليوم:
الحوار السوداني–السوداني.. هل يكون مدخلاً لإنهاء الحرب وبناء الدولة أم ساحة جديدة للصراع السياسي؟
مبارك الفاضل المهدي: الحوار الخارجي أكثر شمولاً وحياداً
يرى رئيس حزب الأمة مبارك الفاضل المهدي أن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا الحوار السوداني–السوداني؟ وإنما: أي حوار سوداني–سوداني نريد؟ ومن يشارك فيه؟
ويتساءل عن سبب رفض الحوار الذي تنظمه الآلية الخماسية الدولية، مقابل الدعوة إلى حوار داخل السودان، معتبراً أن الحوار الداخلي بصيغته المطروحة قد يقتصر على قوى سياسية ومجتمعية ومجموعات مسلحة موجودة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، بينما تغيب عنه قوى سياسية ومجتمعية موجودة في مناطق سيطرة الدعم السريع.
ويرى مبارك الفاضل أن حوار الخماسية يمكن أن يكون أكثر شمولاً، لأنه يضم قوى سياسية ومجتمعية وممثلي الحركات المسلحة من مختلف مناطق السودان، ويعقد في أرض محايدة.
ويطرح أن يكون هدف الحوار تحقيق المصالحة الوطنية، والحفاظ على وحدة السودان، ووقف الحرب، والتوافق على التحول الديمقراطي والدستور الانتقالي والحكم المدني الانتقالي.
كما يدعو إلى الاتفاق على حكومة انتقالية تنفذ برنامجاً لإعادة الإعمار، وتعيد النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وصولاً إلى انتخابات عامة وحرة مراقبة دولياً.
ويحذر مبارك الفاضل من أن حواراً داخلياً يقتصر على مناطق سيطرة الجيش قد يؤدي، في تقديره، إلى تكريس الانقسام وتشجيع استمرار الحرب واستمرار الحكم العسكري، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط وعقوبات دولية جديدة.
عمر الدقير: لا عفو عن موقف سياسي.. وإنهاء الحرب يجب أن يكون قلب العملية السياسية
يرفض رئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير التعامل مع الإجراءات القانونية التي طالت قادة في تحالف «صمود» وآخرين باعتبارها جرائم تستوجب «العفو».
ويؤكد أن القوى المدنية التي رفضت الحرب ودعت إلى إيقافها لم تحمل السلاح ولم تشارك في القتال، ولذلك فإن موقفها السياسي لا يتحول إلى جريمة لمجرد استخدام القانون لإضفاء صفة جنائية عليه.
ويشير الدقير إلى أن القوى المدنية سبق أن طرحت إجراءات لتهيئة المناخ، من بينها الهدنة الإنسانية، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الآمنة، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين، وإلغاء الإجراءات التعسفية ضد القوى السياسية وضمان حرية نشاطها.
وفي ما يتعلق بالحوار، يرى أن السؤال الأساسي هو: ما طبيعة العملية السياسية؟ وما هدفها؟
ويشدد على أن الهدف الأول يجب أن يكون إنهاء الحرب، وليس التكيف مع الواقع الذي أنتجته الحرب.
كما يرى ضرورة الربط بين المسارات السياسية والأمنية والإنسانية، وأن تكون العملية مستقلة عن هيمنة أي طرف، عسكرياً كان أو مدنياً.
ويحذر من أن تأتي الدعوة إلى الحوار في وقت يهيمن فيه خطاب الحسم العسكري، لأن ذلك يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الحوار يستهدف بالفعل إنهاء الحرب أم مجرد إنتاج ترتيب سياسي جديد يستند إلى موازين القوة التي أفرزتها الحرب.
ومع تحفظاته على منهج الآلية الخماسية، يؤكد الدقير أن ذلك لا يعني رفضها من حيث المبدأ، وإنما يرى ضرورة أن يقتصر دورها على تيسير العملية السياسية دون وصاية، وأن تبقى ملكية القرار للسودانيين.
ويعلن انفتاحه على الحوار مع قيادتي القوات المسلحة والدعم السريع، وكل القوى المدنية الداعية إلى وقف الحرب، وصولاً إلى عملية متكاملة تنهي الحرب وتحافظ على وحدة السودان وتنهي هيمنة السلاح على السياسة وتمهد لبناء دولة مدنية ديمقراطية.
تحالف «صمود»: لا حوار تحت دوي المدافع
في بيان صادر في 10 أغسطس، أعلن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» أنه لم يتلقَّ اتصالات رسمية أو غير رسمية للمشاركة في ترتيبات الحوار الداخلي المتداولة، ولم يشارك في أي ترتيبات بشأنها.
ويؤكد التحالف أن موقفه لم يتغير منذ اندلاع الحرب: لا حل عسكرياً لأزمات السودان.
ويشدد «صمود» على أن أي عملية سياسية يجب أن يكون هدفها الأول وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية، وصولاً إلى سلام مستدام وانتقال مدني ديمقراطي.
ويرفض التحالف فصل المسار السياسي عن المسارين الأمني والإنساني، متسائلاً: كيف يمكن إجراء حوار سياسي حقيقي بينما الحرب مستمرة؟
كما يشترط أن تكون العملية السياسية مستقلة عن هيمنة أي من أطراف الحرب، ويرفض الحوار داخل مناطق سيطرة الجيش، معتبراً أن مثل هذا المسار قد يتجاهل واقع السيطرة العسكرية على أجزاء واسعة من البلاد، ويقود إلى ترسيخ الانقسام والتفريط في وحدة السودان.
ويطالب «صمود» باستبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما من أي عملية سياسية، متهماً هذه القوى بإشعال الحرب وعرقلة إيقافها.
وفي ما يتعلق بالعدالة، يرفض التحالف الحديث عن «العفو» عن القوى المدنية، ويؤكد تمسكه بمبدأ المساءلة والعدالة للجميع، بما في ذلك محاسبة من أشعلوا الحرب ومن ارتكبوا الانتهاكات بحق المدنيين.
ويؤكد التحالف أنه لن يكون جزءاً من أي ترتيبات يرى أنها تعيد إنتاج الحرب أو تمنح نتائجها شرعية سياسية.
ضياء الدين بلال: الإقصاء لن يصنع استقراراً
في قراءة مختلفة لمستقبل الحوار، يرى الكاتب الصحفي ضياء الدين بلال أن هناك حقائق سياسية لا تستطيع أي جهة تجاوزها في أي تسوية مقبلة.
ويضع في مقدمتها أن الإقصاء السياسي كان أحد مصادر الاضطراب في تاريخ السودان، محذراً من إعادة إنتاج الأزمة عبر إقصاء مكونات سياسية كاملة.
ويرى بلال أن الإسلاميين سيكونون جزءاً من المعادلة السياسية المقبلة، داعياً القوى السياسية إلى التعامل مع ذلك باعتباره واقعاً سياسياً.
وفي الوقت نفسه، يوجه رسالة للإسلاميين بأن العودة إلى شكل الحكم الذي كان قائماً قبل 2019 ليست ممكنة، وأن السودان والمجتمع تغيرا بصورة كبيرة.
ويرى كذلك أن تحالف «صمود» لن يستطيع استعادة النفوذ الذي كان يتمتع به قبل 25 أكتوبر 2021، معتبراً أن تداعيات المرحلة الانتقالية تركت آثاراً عميقة على الثقة السياسية.
أما الجيش، فيرى بلال أنه مطالب بعدم إعادة إنتاج الدكتاتورية، مؤكداً أن الحفاظ على مؤسسات الدولة لا يمنح أي جهة تفويضاً مفتوحاً للحكم.
ويخلص إلى أن مستقبل السودان يحتاج إلى تسوية لا تقوم على الغلبة، وإنما على الاعتراف بتعدد القوى والمكونات وعدم إقصاء أي طرف بصورة تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة.
عادل الباز: هل هناك انتقائية في شروط الحوار؟
في المقابل، ينتقد الكاتب الصحفي عادل الباز شروط تحالف «صمود»، ويرى أن هناك تناقضاً بين رفض التحالف أي عملية سياسية تخضع لهيمنة أحد أطراف الحرب، وبين قبوله بمسارات سياسية خارجية قد يكون للوسطاء فيها تأثير كبير.
ويتساءل الباز عن مدى استقلال العملية السياسية عن أجندات الوسطاء الخارجيين وشروطهم وتمويلهم، ويرى أن استقلال الحوار ينبغي ألا يقاس فقط بعلاقته بأطراف الحرب، وإنما كذلك بعلاقته بالقوى الخارجية المؤثرة في المشهد السوداني.
وينتقد كذلك رفض «صمود» للحوار داخل مناطق سيطرة الجيش، معتبراً أن موقف التحالف من الحوار الداخلي لا ينسجم، في رأيه، مع مواقفه من بعض المسارات الخارجية والاتفاقات التي جرت مع قوى موجودة في مناطق سيطرة الدعم السريع.
ويرى أن هذا يثير سؤالاً حول ما إذا كانت هناك معايير مختلفة للحوار الداخلي والخارجي.
وفي ما يتعلق باستبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، يرى الباز أن إقصاء التيار الإسلامي من الحوار قد يؤدي إلى تعقيد المشهد السياسي، خصوصاً في ظل ارتباط قوى منه بالمؤسسة العسكرية ومشاركتها في الحرب إلى جانب الجيش.
ويخلص الباز إلى أن تجاوز الأزمة يتطلب رؤية تعترف بموازين القوى والواقع الميداني وتحافظ على مؤسسات الدولة وسيادتها، بعيداً عن الانتقائية في تحديد الأطراف المقبولة والمرفوضة.
سالم عبدالرحمن: المشكلة ليست في الحوار.. بل في الأجندة
ويرى سالم عبدالرحمن، الناشط السياسي ومن شباب الحراك الثوري، أن الخلاف الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول مبدأ الحوار السوداني–السوداني، وإنما حول شكل الحوار والجهة التي تطرحه والأجندة التي تقف خلفه.
ويتساءل عبدالرحمن: عندما يطرح رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الحوار السوداني–السوداني، هل المشكلة في أن البرهان هو من طرحه؟ أم أن المطلوب هو النظر إلى ما الذي يريده الحوار وما الأجندة التي يسعى إلى تحقيقها؟
ويرى أن الحوار يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا كان هدفه تأسيس الدولة، وبناء مؤسساتها، ووضع أسس جديدة للمستقبل، وليس مجرد البحث عن من يحكم السودان.
ويؤكد أنه لا يرى مشكلة في مشاركة مختلف القوى السياسية في الحوار، بما فيها المؤتمر الوطني، إذا كان الجميع يدخلون الحوار باعتبارهم سودانيين، وليس بهدف تحقيق أجندات شخصية أو حزبية.
العدالة الانتقالية
ويضع عبدالرحمن العدالة الانتقالية في قلب الحوار، داعياً إلى الاعتراف بالأخطاء ومحاسبة كل من ارتكب انتهاكات بحق الشعب السوداني.
ويرى أن الأمر يجب أن يشمل الانتهاكات المتراكمة عبر تاريخ السودان وصولاً إلى حرب 15 أبريل 2023 وما بعدها.
ويؤكد أن العدالة الانتقالية يجب أن تشمل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي والمساءلة والمحاسبة والمصالحة وجبر الضرر، على أن يحدد الحوار الوسائل المناسبة لتطبيقها.
وينتقد عبدالرحمن الانشغال بالمصطلحات، قائلاً إن المهم ليس أن نسمي العملية «حواراً سودانياً–سودانياً» أو «عدالة انتقالية»، وإنما أن يكون لهذه العناوين مضمون حقيقي ومخرجات عملية.
الحوار داخل السودان ووقف إطلاق النار
ويرى أن الأصل أن يكون الحوار داخل السودان، مع توفير الضمانات اللازمة لمشاركة الجميع.
ويعتبر أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون بداية لبناء الثقة، وأن استعداد أطراف الحرب للجلوس معاً ووقف القتال يمثل أول خطوة عملية نحو التفاوض.
ويؤكد أن الحوار سينجح إذا دخلته القوى السياسية وهي تضع أمامها هدفاً واضحاً: إنهاء الحرب ومعالجة الأزمة الاقتصادية والأمنية والإنسانية وبناء دولة مستقرة.
ويختصر رؤيته بأن يجلس الجميع إلى الطاولة «كسودانيين»، لا باعتبارهم ممثلين لأجندات متصارعة، وأن يكون السؤال: ماذا نريد أن نبني بعد الحرب، وليس من يريد أن يحكم؟