خالد محمد أحمد
لا تُلتقط التحوُّلات في السياسة السودانية دائمًا من التصريحات العلنية أو التحرًّكات المكشوفة فحسب؛ بل كثيرًا ما تختبئ بين الهوامش، وتُسْتنبَط من القرائن، وتُسْتشَفُّ بين السطور.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة بعض المؤشِّرات التي تدُلُّ على أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان بات يشعر بقلقٍ متصاعد، وربما بغيرةٍ سياسية مبكرة، من صعود نجم بعض القادة الميدانيين، لا باعتبارهم قادةً عسكريين فحسب، بل كرموزٍ آخذة في التشكُّل داخل الفضاء العام؛ إذْ لم يعُد حضورهم عابرًا في نشرات المعارك، بل تحوَّلوا إلى شخصياتٍ ذات ثقلٍ رمزي اجتماعي وشعبي تستمِدُّ قوتها من قدرتها على الحشد والتعبئة.
لا يثير هذا الصعود قلقًا عسكريًا بقدر ما يستدعي هواجس سياسيةً كامنة من منازعةٍ محتملة على السلطة ولو بعد حين. وضمن هذا المناخ، برزت مؤشِّراتٌ بالغة الدلالة؛ من بينها أن الآلة الإعلامية المحسوبة على البرهان بدأت في الآونة الأخيرة تتجاهل على نحوٍ لافت أيَّ مواد أو مقالاتٍ أو تعليقات من شأنها تعزيز شعبية تيارٍ بعينه رغم حضوره الطاغي في الميدان.
ويبدو أن هذا التجاهل أقرب إلى سياسةٍ مدروسة ترمي إلى عرقلة شخصياتٍ وتياراتٍ صاعدة جماهيريًا من تحويل توهُّجها الشعبي إلى رأسمال سياسي مستقلٍّ. لا يبدو هذا التوجُّه معزولًا، بل إنه يتناغم مع رغبةٍ أوسع في الحدِّ من أيِّ سرديَّةٍ إعلامية قد تُسهِم في إعادة تعريف بعض القادة الميدانيين بوصفهم فاعلين سياسيين محتملين، لا مجرَّد قادة عسكريين ظرفيين.
ومن بين المؤشِّرات التي تدعم هذا الاستنتاج بروز خطابٍ إعلامي جديد يتناول من دون تسميةٍ صريحة خطر بعض تكوينات الإسلاميين على بقاء الدولة، بل ويذهب إلى أن خطرها قد يفوق خطر الجنجويد. هذا الخطاب، في تقديري، محاولةً استباقية لضبط الطموحات السياسية داخل المعسكر الواحد، وإرسال رسالةٍ واضحة مفادها أن النزاع على السلطة بعد الحرب خطٌّ أحمر.
الأخطر أن هذه المعارك الجانبية تُدار بينما المعركة الأساسية لم تُحسَم بعد، والدعم السريع ما زال يسيطر على مساحاتٍ واسعة من غرب البلاد. فتحُ جبهاتٍ داخلية في هذا التوقيت عملٌ بالغ الضرر؛ إذْ لا معنى للأسئلة المتعلِّقة بمَن سيحكم بعد الحرب ومَن سيُقصَى قبل أن تُحسَم معركة بقاء الدولة نفسها.
ما يتشكَّل الآن هو هاجسٌ قديم يتجدَّد؛ إذْ يبدو أن البرهان لا يقبل بصعود أيِّ فصيلٍ أو شخصيةٍ قد تنازعه القيادة أو الشرعية. ومِن ثَمَّ، فهو يبادر مبكرًا لكبح أيِّ تبلورٍ رمزي أو سياسي حتى لو كان من داخل معسكره نفسه.
لا غرابة أن يحمل قائدٌ عسكري في موقع البرهان طموحاتٍ سياسية بعد الحرب؛ فهذا أمرٌ مألوف في تجارب ما بعد النزاعات، وخاصةً إذا كان القائد يشعر أنه أنقذ البلاد من طامَّة وإنْ كان معارضوه يرون أنه عاملٌ أساسي في وقوعها. غير أن الخطر يكمن في وهم الانفراد بالسلطة، والسعي إلى تحجيم الحلفاء الحاليين على أساس أنهم خصومٌ محتملين في المستقبل. خلق عداواتٍ داخل الصفِّ الواحد قبل نهاية المعركة قد يكلِّف أكثر ممَّا يربح، وقد يحوِّل داعمي اليوم إلى معارضين غدًا.
ولذلك، على الدائرة المحيطة بالبرهان أن تنصحه، إنْ استطاعت إلى ذلك سبيلًا، بأن الغيرة السياسية المبكرة لا تحمي السلطة، بل تُضعفها، وأن فتح أبواب الخلاف على السلطة قبل الأوان لا يؤسِّس لدولةٍ، بل يعيد إنتاج أسباب هشاشتها. كما أن خلط العسكري بالسياسي، وخاصةً في الصراعات الداخلية على الحكم، ينطوي على مخاطر جسيمة؛ فهذه العقليَّة قد لا تفضي إلى خسارةٍ سياسية محتملة فحسب، بل قد تمتدُّ آثارها لتطول المسار العسكري أيضًا. وفي بلدٍ ما زال ينزف، الأجدر ألَّا يُطرَح السؤال عمَّن سيحكُم بعد الحرب، بل عمَّا إذا كانت هناك دولة ستبقى أساسًا لنختلف على حكمها.