رأي

الاقتصاد الرقمي .. بوابة السودان لإعمار ما بعد الحرب

د. مروة فؤاد قباني

في عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية، أصبح الاقتصاد الرقمي أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول لإعادة بناء اقتصاداتها وتحقيق التنمية المستدامة، خاصة الدول الخارجة من الحروب والنزاعات. وفي ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها السودان بعد سنوات من الصراع، يبرز الآقتصاد الرقمي كخيار استراتيجي يمكن أن يسهم في إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ويُقصد بالاقتصاد الرقمي ذلك النظام الاقتصادي الذي يعتمد على التكنولوجيا والاتصالات والبيانات في إدارة الأنشطة الاقتصادية والخدمية، بما يشمل التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية الرقمية، والحكومة الإلكترونية، والتعليم والصحة الرقمية، إضافة إلى الابتكار وريادة الأعمال التقنية.

ورؤيتنا كخبراء تخطيط اقتصادي رقمي أن التحول الرقمي يمكن أن يمثل فرصة حقيقية لـ السودان لتجاوز آثار الحرب، خصوصاً في ظل ما خلفته من دمار للبنية التحتية، وتراجع في الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إلى جانب هجرة الكفاءات والخبرات.

ورغم هذه التحديات، شهد السودان خلال السنوات الماضية مؤشرات مهمة على تنامي استخدام التكنولوجيا الرقمية، من خلال انتشار الهواتف الذكية، وتوسع خدمات الإنترنت، وظهور تطبيقات الدفع الإلكتروني والتحويلات المالية عبر الهاتف، فضلاً عن تنامي نشاط الشركات الناشئة في مجالات التجارة والخدمات التقنية.

وتشير أحدث المؤشرات الرقمية والاقتصادية في السودان إلى استمرار التحديات الاقتصادية الناتجة عن الحرب، حيث ما تزال معدلات التضخم من الأعلى إقليمياً، مع تراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة والفقر. وفي المقابل، يشهد القطاع الرقمي نمواً تدريجياً، إذ بلغ عدد مستخدمي الإنترنت نحو 14.9 مليون مستخدم بنهاية عام 2025 بنسبة انتشار تقارب 28.7% من السكان، بينما وصل عدد اشتراكات الهواتف المحمولة إلى نحو 17.8 مليون اشتراك، منها أكثر من 73% تعمل عبر شبكات الجيل الثالث والرابع.

كما ارتفع عدد مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي إلى أكثر من 6 ملايين مستخدم، في مؤشر واضح على تنامي الاعتماد على الخدمات الرقمية والتقنيات الحديثة رغم تحديات البنية التحتية والاتصالات.

ونؤكد أن الاقتصاد الرقمي يمكن أن يؤدي دوراً محورياً في مرحلة إعادة الإعمار، عبر تطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية، بما يسهم في تسهيل الإجراءات الإدارية، وتقليل الفساد، ورفع كفاءة المؤسسات العامة. كما يمكن للتقنيات الرقمية أن تساعد في إيصال المساعدات الإنسانية والدعم المالي للمواطنين بصورة أكثر سرعة وشفافية.

وفي قطاع التعليم، تبدو الحلول الرقمية ضرورة ملحة لتعويض الآثار التي خلفتها الحرب على المدارس والجامعات، وذلك عبر منصات التعليم الإلكتروني والتدريب عن بُعد، التي تمنح الشباب فرصاً جديدة لاكتساب المهارات التقنية المطلوبة في سوق العمل الحديث.

أما في المجال الصحي، فإن تطبيقات الطب الرقمي والاستشارات الطبية عن بُعد يمكن أن تسهم في تحسين الخدمات الصحية، خاصة في المناطق المتضررة أو البعيدة عن المراكز الطبية الرئيسية.

ولا تقتصر أهمية الاقتصاد الرقمي على الخدمات فقط، بل تمتد إلى خلق فرص اقتصادية جديدة للشباب من خلال العمل الحر، والتجارة الإلكترونية، والبرمجة، والتسويق الرقمي، وهو ما قد يساعد في تقليل معدلات البطالة وتحريك عجلة الاقتصاد.

كما يمكن للقطاع الزراعي، الذي يمثل أحد أهم القطاعات الحيوية في السودان، أن يستفيد من تطبيقات الزراعة الذكية وتقنيات المعلومات، عبر تحسين الإنتاج والتسويق وتوفير المعلومات المتعلقة بالطقس والأسعار والأسواق.

غير أن نجاح التجربة السودانية في بناء اقتصاد رقمي فاعل يتطلب معالجة عدد من التحديات، أبرزها ضعف البنية التحتية للاتصالات والكهرباء، ومحدودية التمويل، والحاجة إلى تشريعات حديثة تنظم التحول الرقمي وتحمي البيانات وتعزز الأمن السيبراني.

وفي رؤيتي أن الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار لم يعد خياراً ترفيهياً، بل ضرورة تنموية تفرضها متغيرات العصر، خاصة بالنسبة للدول الخارجة من النزاعات. ومن هنا، فإن بناء اقتصاد رقمي متكامل قد يمثل بالنسبة لـ السودان نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من التعافي والتنمية وإعادة بناء الدولة على أسس أكثر حداثة واستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى