د. إيناس محمد أحمد
تحولت المياه من مورد طبيعي إلى أداة جيوسياسية بالغة الخطورة في ظل تنامي الطلب العالمي للمياه نتيجة الازدياد السكاني الكبير والتغير المتاخي المتدهور ، وسوء إدارة الموارد التنموية الطبيعية ، وازداد الأمر خطورة حين استخدمت المياه كسلاح استراتيجي.
لذلك سعي المجتمع الدولي إلى تعريف النهر العابر للحدود بأنه النهر الذي يقع مع روافده أو فروعه في منطقة تخضع لسلطة دولتين أو اكثر مثل نهر النيل أو نهر دجلة والفرات، أو النهر الذي يشكل حدوداً بين دولتين أو اكثر مثل نهر السنغال.
هذة الأنهار وغيرها كانت محل استخدام هادئ دون نزاع أو شكوى من أي الدول التي تمر بها ، إلى أن ظهرت بوادر نزاع حول المياة العذبة وازدياد الطلب عليها وأحيانا نستطيع أن تقول ازدياد الطمع فيها ، لذلك جاءت معاهدة باريس للسلام في 30 مايو 1814م لإيجاد حلول توافقية لمعالجة أي توترات حول مياه الأنهار ومنع قيام أي حرب بسببها ، هذة المعاهدة أرست مفهوم النهر الدولي وهي أول من نظم تعامل الدول المشاطئة للانهار التي تمر بها ووضعت مبدأ حرية الملاحة النهرية خاصة للانهار الأوروبية مثل نهر الراين لتسهيل حركة التجارة .
لكن لم تضع معاهدة باريس 1814م أي تفاصيل اجرائية لكنها أرست مبادئ فقط وأحالت صياغة اللوائح التنفيذية إلى مؤتمر فيينا 1815م والذي نظم استخدام الملاحة في الأنهار الدولية ونقل السلع ،لكنها لم تتطرق لموضوعات حيوية مثل الري وتوليد الطاقة أو توزيع حصص المياه العذبة ، لكن مؤتمر فينا 1815م شكل حجر الزاوية لاسيما في وضع الأحكام العامة القابلة للتطبيق علي كل الأنهار الدولية، وأكدت نفس المبادئ في معاهدة فرساي 1919م ثم اتفاقية برشلونة 1921م ، الطريف في الأمر أن اتفاقية برشلونة أقرت الملاحة في الأنهار الدولية ووضعت نظاماً لذلك في حين أن جميع الدول التي أقرتها (عدا هولندا) ، لم تكن دولاً نهرية ، لذلك انتقد علماء القانون الدولي الاتفاقية بأنها مجرد مبادئ نظرية بعيدة عن الممارسة علي أرض الواقع .
بعد الحرب العالمية الثانية ازدادت حركة إعادة البناء والإعمار مما انعكس مباشرة في البحث عن مصادر مياة عذبة لتنفيذ الخطط التنموية واتجة اهتمام المجتمع الدولي نحو التركيز علي معايير اقتصادية للنهر الدولي بالإضافة للمعايير الجغرافية والسياسية، و استدل على ذلك من بيان استوكهولم لعام 1961م وتوصيات سالزبورغ 1966م ، وقواعد هلسنكي لعام 1966م والتي شكلت قواعد استرشادية غير ملزمة للدول ثم جاء بعدها إعلان ريودي جانيرو 1992م وتقرير لجنة القانون الدولي لعام 1994م ، وصولا لاتفاقية استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية الصادرة عن الأمم المتحدة لعام 1997م والتي اكتملت التصديقات عليها المطلوبة لتدخل الاتفاقية حيز التنفيذ في 19مايو 2014م بعد انضمام فيتنام باعتبارها الدولة رقم 35 التي انضمت للاتفاقية وقد اكملت فيتنام العدد المطلوب من التصديقات حتي تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ باعتبارها اتفاقية اطارية تضم قواعد عامة قابلة للاضافة.
هناك تيار من فقهاء القانون الدولي يري أن هذه الاتفاقية قد تكون علامة فارقة بالفعل ، إلا أنها غير ملزمة إلا للدول المصادقة عليها ، في ذات الوقت الأمر لا يعفي الدول غير الأعضاء في الاتفاقية من الالتزامات الواردة فيها باعتبارها تمثل مبادئ راسخة بالقانون العرفي ، وتمثل الاتفاقية تدوينا لمبادئ قانونية سائدة عرفيا ومستخدمة وطنياً ومقبولة دوليا .
في 23 ديسمبر 2003م أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار رقم 58/217 تحت عنوان (العقد الدولي للمياه، الماء من أجل الحياة) حيث قررت زيادة التركيز علي المسائل المتصلة بالمياه علي جميع المستويات وتنفيذ ما يتصل بها من برامج ومشاريع ومستوطنات بشرية ، في ذات الإطار قامت منظمات المجتمع المدني وأهمها المجلس العالمي للمياه بعقد عدة منتديات عالمية أهمها (منتدي اسطنبول الخامس ومنتدى مارسيلية السادس) نجم عنها عدد مهم من القرارات والتوصيات ساعدت الأمم المتحدة في تسريع تبني قرارات دولية جديدة .
إلى جانب ذلك قامت الأمم المتحدة بعقد عدة مؤتمرات بغية إبعاد قضايا المياه من دائرة الصراعات المحتملة مثل مؤتمر (مارديل بلاتا) في الأرجنتين 25 مارس عام 1977م ومؤتمر (دبلن) عام 1992م ، و (قواعد برلين ) 2004م هذة القواعد الصادرة عن تلك المؤتمرات شكلت جمع للقواعد القانونية العرفية أضحت مستقرة وواضحة للجميع.
خدمت تلك الاتفاقيات أكثر من 30 دولة حول العالم تقع بالكامل داخل أحواض مائية عابرة للحدود تقتضي الحاجة إلى معاهدة دولية لتنظيم العلاقات بينها إلى جانب معاهدات ثنائية بين تلك الدول مثل اتفاقية الحدود النرويجية السوفيتية للحفاظ على المياه الحدودية وعدم تلوثها بينهما، والاتفاقية بين إيطاليا وسويسرا سبتمبر 1955م بشأن بحيرة (لوجانو) للحفاظ علي حق الدولتين في عدم تشييد أو تغيير أو تعطيل البحيرة، واتفاقية مياه السند 1960م بين الهند وباكستان ، ومعاهدة نهر كولومبيا 1961م بين كندا والولايات المتحدة الأمريكية حول نهر كولومبيا الذي ينبع من بحيرة كولومبيا ويمر وفي ولايتين كنديتين وسبع ولايات أمريكية ويعد هذا النهر أحد أقوي مصادر الطاقة الكهربائية في العالم ، ولذلك أنشأت كندا والولايات المتحدة نظاما متكامل لاستخدام النهر عبر نظام توازن الأسهم .
اتفاقية حوض نهر الميكونج 1995م بين (تايلند وكمبوديا وفيتنام ولاوس) للحفاظ علي المياه واستخداماتها بطريقة عادلة ، و اتفاقية حوض نهر الفولتا بين (بنين وبوركينا فاسو و ساحل العاج وغانا و مالي وتوغو) والتي عقدت في 16يوليو 2006م ودخلت حيز التنفيذ في 14 أغسطس 2009م .
كل ما سبق من معاهدات أرسى مبادئ هامة اهمها :-
1/الاستخدام المنصف والمعقول لمجري النهر وتنمية بغية الانتفاع به بصورة مثلى ومستدامة مع مراعاة مصالح دول المجري المائي الأخرى .
2/الالتزام بعدم التسبب في ضرر الآخرين.
3/لابد أن تتعاون دول المجري المائي علي أساس المساواة في السيادة والسلامة الإقليمية والفوائد المتبادلة وحسن النية من أجل الانتفاع بالمجري المائي.
4/تسوية النزاعات بين دول المجرى المائي عن طريق التحكيم فإن استحال ذلك تتم التسوية عبر محكمة العدل الدولية.
تظل إتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997م حاضرة من أجل تطبيق القانون الدولي في الخصومات المائية بغرض تحويلها من خصومات واختلافات إلى حالات من التعاون المشترك وفق أسس مقبولة دوليا ووفق إطار قانوني عالمي الطابع ينظم مبادئ استخدام مياه الأنهار المشتركة بين أكثر من دولة .
نواصل ،،،