رأي

أين تذهب أحلامنا حين نستيقظ؟

عصماء عاصم

الحكاية التي يعيشها العقل ليلًا، ثم يعجز عن استعادتها صباحًا

ثمة لحظة قصيرة، تكاد تكون فاصلة بين عالمين؛ تفتح فيها عينيك، وما زال شيء من الليل عالقًا في رأسك. وجهٌ مرّ بك، مكانٌ لا تعرفه، حديثٌ لم يحدث، وربما حكاية كاملة كنت بطلها قبل ثوانٍ.

ثم تمد يدك إلى هاتفك، أو تسمع صوتًا، أو يبدأ يومك في استدعائك…

وفجأة، لا يبقى من كل ذلك إلا جملة واحدة:

«كنت أحلم بشيء… لكن ماذا كان؟»

ليست هذه التجربة نادرة، ولا يعني عجزنا عن تذكّر الحلم أننا لم نحلم أصلًا. بل إن العلم الحديث ينظر إلى المسألة بصورة أكثر تعقيدًا؛ فالأحلام والتجارب الذهنية أثناء النوم يمكن أن تحدث خلال مراحل مختلفة من النوم، بينما تختلف قدرتنا على الاحتفاظ بذكراها من شخص إلى آخر، بل ومن ليلة إلى أخرى لدى الشخص نفسه.

وفي دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة Communications Psychology، شملت الدراسة 217 بالغًا، وسجّل المشاركون تجاربهم الصباحية على مدى 15 يومًا، إلى جانب تتبع خصائص نومهم وإجراء اختبارات تتعلق بالذاكرة والانتباه. وفي التحليلات الأساسية، اعتمد الباحثون على البيانات المتاحة من 204 مشاركين ونحو 2900 تقرير صباحي.

والنتيجة اللافتة أن تذكّر الأحلام ليس مسألة حظ عابر.

وجد الباحثون أن احتمال تذكّر الحلم يرتبط بعدة عوامل، من بينها الموقف الشخصي من الأحلام، والميل إلى شرود الذهن، وبعض خصائص النوم. كما ارتبطت القدرة على استعادة محتوى الحلم بالعمر وقابلية الذاكرة للتداخل.

وهنا ربما تكمن الإجابة عن ذلك اللغز الصغير الذي يزورنا كل صباح.

قد تكون آثار الحلم حاضرة في اللحظة الأولى التي نفتح فيها أعيننا، لكنها لا تكون دائمًا قد استقرت في الذاكرة بالصلابة التي نحتاج إليها للاحتفاظ بها. ومع عودة الدماغ إلى حالة اليقظة وتدفّق المعلومات الجديدة، قد تتعرض ذكرى الحلم لتداخل سريع يجعل استعادتها أكثر صعوبة.

ولعل هذا يفسّر تلك الظاهرة الغريبة التي يستيقظ فيها الإنسان وهو على يقين بأنه كان يحلم، لكنه لا يستطيع استعادة أي تفاصيل تقريبًا؛ يعرف أن ثمة حكاية كانت هناك، لكنه لا يستطيع الإمساك بخيط واحد منها.

والأكثر إثارة أن تذكّر الأحلام ليس ثابتًا حتى عند الشخص نفسه؛ فقد تختلف قدرتنا على استعادتها من ليلة إلى أخرى، تبعًا لخصائص النوم وعوامل أخرى تتغير مع الوقت.

أما السؤال الأكبر: لماذا نحلم أصلًا؟

فهنا لا يزال العلم لا يملك إجابة نهائية.

تُدرس الأحلام بوصفها نافذة محتملة على عمليات تتصل بالذاكرة والانفعالات وتجارب اليقظة، لكن وظيفة الأحلام نفسها لا تزال موضع بحث ونقاش علمي، ولم يقل العلم كلمته الأخيرة فيها.

وربما لهذا تبدو الأحلام غريبة إلى هذا الحد.

فنحن نعيش خلالها في عوالم لا تخضع دائمًا لقوانين اليقظة، نلتقي أشخاصًا قد لا نعرفهم، ونعود إلى أماكن لم نزرها، ونشعر بأشياء لا نجد لها تفسيرًا حين نصحو.

ثم نستيقظ…

فتبدأ تفاصيل الحلم في التلاشي، قبل أن نملك حتى فرصة استعادتها كاملة.

لعل أغرب ما في الأحلام ليس أننا نراها ونحن نائمون، وإنما أننا نراها بوضوح يكفي لنصدقها، ثم نفقدها في اللحظة التي نعود فيها إلى العالم الحقيقي.

المصدر:
دراسة The Individual Determinants of Morning Dream Recall، مجلة Communications Psychology، 2025.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى