د. مروة فؤاد قباني
يمثل الاجتماع الذي عقدته محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني، مع ممثلي مُلاك المصارف، لمناقشة جهود تطوير القطاع المصرفي ومتطلبات الإصلاح والحوكمة ورؤوس الأموال والأطر التشريعية والتنظيمية، مؤشراً على أهمية فتح حوار مؤسسي حول مستقبل الجهاز المصرفي، في ظل التحديات الاستثنائية التي فرضتها الحرب وتداعياتها على البنية التحتية والخدمات المصرفية والنشاط الاقتصادي.
غير أن أهمية هذه الخطوة تتجاوز مناقشة المتطلبات الرقابية، لتطرح سؤالاً أساسياً حول طبيعة الإصلاح المطلوب: هل نحتاج إلى زيادة رؤوس أموال المصارف وإعادة ترتيب أوضاعها المالية فحسب، أم إلى إعادة بناء نموذج مصرفي متكامل قادر على استعادة الثقة وتحريك المدخرات وتمويل الإنتاج وقيادة مرحلة إعادة الإعمار؟
لقد كشفت الحرب عن هشاشة جوانب عديدة في القطاع المصرفي، نتيجة تضرر وتعطيل عدد كبير من الفروع، واضطراب الخدمات، وتحديات قواعد البيانات واستمرارية الأعمال، فضلاً عن تراجع التعاملات المصرفية واتساع الاعتماد على النقد والقنوات غير الرسمية. وأصبح إصلاح القطاع ضرورة اقتصادية تتجاوز حدود المعالجة المصرفية التقليدية.
وتأتي رؤوس الأموال في مقدمة ملفات الإصلاح، خاصة في ظل تآكل قيمتها الحقيقية بفعل التضخم وتغيرات سعر الصرف، الأمر الذي يستدعي إعادة تقييم الملاءة المالية للمصارف وجودة أصولها ومستويات السيولة والتعثر وقدرتها على مواجهة المخاطر. وفي هذا الإطار، تمثل متطلبات رأس المال الواردة في المنشور الرقابي رقم (4/2026) مدخلاً لإعادة تقييم الأوضاع المالية للمصارف.
لكن زيادة رأس المال لا ينبغي أن تتحول إلى غاية مستقلة، أو معيار وحيد للحكم على سلامة المصارف. فالمطلوب هو ربط الرسملة بإصلاح الإدارة وتحسين جودة الأصول وتعزيز الكفاءة التشغيلية. كما أن خيارات الاندماج والاستحواذ وإعادة الهيكلة يجب أن تستند إلى دراسات مالية واقتصادية، مع مراعاة اختلاف أوضاع المصارف وقدرات مساهميها، وحماية حقوق المودعين والمساهمين، والحفاظ على المنافسة في السوق المصرفية.
ومن الجوانب المهمة التي تستحق الاهتمام ملف الحوكمة، إذ لا يمكن بناء قطاع مصرفي قوي دون مجالس إدارات فاعلة، وإدارات تنفيذية مؤهلة، وأنظمة مستقلة للمراجعة وإدارة المخاطر والامتثال، إلى جانب تعزيز الإفصاح والشفافية والمساءلة. فسلامة المصرف لا تقاس بحجم رأس ماله فقط، وإنما بجودة إدارته وقدرته على إدارة المخاطر والمحافظة على أموال المودعين.
وفي المقابل، تبرز استعادة الثقة باعتبارها التحدي الأكبر أمام المصارف السودانية. فالمواطن الذي فقد سهولة الوصول إلى الخدمات المصرفية يحتاج إلى ضمانات عملية لاستمرارية التعاملات وسرعة التحويلات وسهولة فتح الحسابات والوصول إلى أمواله. وهذا يتطلب تطوير الخدمات المصرفية الرقمية، وتوسيع استخدام التطبيقات والمحافظ الإلكترونية ونقاط البيع، وتعزيز الربط مع شبكات الدفع القومية، إلى جانب الاستثمار في الأمن السيبراني ومراكز البيانات البديلة وخطط التعافي من الكوارث.
فالتحول الرقمي لم يعد خياراً تقنياً، بل أصبح جزءاً أساسياً من إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ووسيلة لتوسيع الشمول المالي وجذب المدخرات وتقليل تكلفة المعاملات، خاصة في المناطق التي تضررت فيها البنية المصرفية التقليدية.
غير أن الاختبار الحقيقي لنجاح الإصلاح سيظل مرتبطاً بقدرة المصارف على استعادة دورها في تمويل النشاط الاقتصادي. فالمطلوب هو الانتقال من التركيز على إدارة السيولة والتحويلات والخدمات اليومية إلى تمويل القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والطاقة والنقل والصادرات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وهذا يتطلب تطوير أدوات التمويل، ومراجعة سياسات الائتمان، وتوفير الضمانات المناسبة، وتوسيع الشراكات مع مؤسسات التمويل التنموي والقطاع الخاص، فضلاً عن تصميم منتجات تمويلية طويلة الأجل تتناسب مع طبيعة المشروعات الإنتاجية واحتياجات إعادة الإعمار.
ولتحويل التوجهات المطروحة في اجتماع البنك المركزي وملاك المصارف إلى نتائج ملموسة، أقترح أن ترتكز المرحلة القادمة على عشرة مسارات: إجراء تقييم شامل للأوضاع المالية والتشغيلية للمصارف، ووضع برنامج زمني واقعي لزيادة رؤوس الأموال، ودراسة خيارات الاندماج وإعادة الهيكلة، وتطوير الحوكمة والإفصاح، وتعزيز حماية المودعين، وتحديث التشريعات، وتسريع التحول الرقمي، وتوجيه التمويل نحو الإنتاج، وتعزيز أنظمة إدارة المخاطر، وأخيراً وضع مؤشرات أداء تقيس مساهمة المصارف في التعافي الاقتصادي والشمول المالي.
كما تبرز أهمية إنشاء آلية مشتركة بين البنك المركزي وممثلي المصارف لمتابعة تنفيذ برنامج الإصلاح، وتحديد المسؤوليات والجداول الزمنية، وقياس النتائج بصورة دورية، بدلاً من الاكتفاء بالتفاهمات العامة والاجتماعات التشاورية.
إن إصلاح القطاع المصرفي مسؤولية مشتركة بين البنك المركزي باعتباره الجهة المنظمة والرقابية، وملاك المصارف ومجالس إداراتها وإداراتها التنفيذية. كما أن نجاح الإصلاح يتطلب تحقيق التوازن بين المتطلبات الرقابية واستقرار المؤسسات المصرفية، حتى لا تؤدي الإجراءات المتعجلة إلى إضعاف قدرة المصارف على مواصلة أعمالها أو التأثير على حقوق المودعين.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى مصارف تستوفي متطلبات رأس المال، بل إلى مؤسسات مالية قادرة على استعادة الثقة، وتعبئة المدخرات، وتمويل الاستثمار والإنتاج، وتوفير بنية مصرفية حديثة تواكب متطلبات الاقتصاد الرقمي.
فالسؤال الذي ينبغي أن يحكم مشروع الإصلاح ليس كم مصرفاً استطاع زيادة رأس ماله، وإنما كم مصرفاً أصبح قادراً على استعادة ثقة العملاء، وتحريك المدخرات، وتمويل الاقتصاد والمساهمة الفعلية في إعادة الإعمار؟
تلك هي المعايير التي ينبغي أن يقاس بها نجاح الإصلاح المصرفي السوداني.