الاحداث:ماجدة حسن
يعود المخرج والسيناريست محمد كردفاني إلى السينما الروائية بمشروعه الجديد «عن الحب وقوانين سبتمبر» الذي تدور أحداثه في الخرطوم عام 1983، خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ السودان الحديث. ويأتي الفيلم بوصفه الجزء الثاني من ثلاثية سينمائية يعمل كردفاني من خلالها على إعادة قراءة تاريخ السودان الحديث عبر حكايات إنسانية تتقاطع فيها السياسة مع الحب والصداقة والاختيارات الفردية.
ويواصل كردفاني في مشروعه الجديد النهج الذي رسخه في فيلمه الروائي الأول «وداعًا جوليا» ، لكنه يتجه هذه المرة إلى مساحة أكثر انفتاحًا على الجمهور العالمي، مع حضور بارز للغة الإنجليزية وشخصية صحفي أمريكي تعود إلى الخرطوم، لتجد نفسها وسط واقع سياسي واجتماعي مضطرب يضع علاقاتها ومواقفها أمام اختبارات صعبة.
ولا تبدو السياسة في «عن الحب وقوانين سبتمبر» مجرد خلفية للأحداث، بل عنصرًا مؤثرًا في مصائر الشخصيات. فمن خلال قصة إنسانية تتداخل فيها المشاعر مع التحولات السياسية، يسعى كردفاني إلى الاقتراب من مرحلة تاريخية تركت أثرًا عميقًا في المجتمع السوداني، من دون أن يحوّل الفيلم إلى معالجة تاريخية مباشرة أو خطاب سياسي تقريري.
ويأتي المشروع بعد النجاح الدولي اللافت الذي حققه «وداعًا جوليا»، الذي شكّل محطة فارقة في مسيرة كردفاني وفي حضور السينما السودانية عالميًا. فقد أصبح الفيلم أول عمل سوداني يشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، حيث عُرض ضمن قسم «نظرة ما» عام 2023، وحصل على جائزة الحرية.
ولد محمد كردفاني في الخرطوم، وبدأ مسيرته المهنية بعيدًا عن السينما، إذ درس هندسة الطيران وعمل في مجال الطيران قبل أن ينتقل تدريجيًا إلى صناعة الأفلام. ومع اهتمامه بالتصوير والمونتاج والكتابة، بدأ في تطوير تجربته السينمائية من خلال الأفلام القصيرة والوثائقية، ومن أبرز أعماله «نيركوك» (Nyerkuk) و«سجن كجر» (Kejer’s Prison).
ومن خلال هذه الأعمال، بدأ كردفاني في بناء أسلوب يقوم على معالجة القضايا السياسية والاجتماعية من خلال الشخصيات والعلاقات الإنسانية. وهو النهج الذي وصل إلى ذروته في «وداعًا جوليا»، الذي تناول الانقسامات بين شمال السودان وجنوبه من خلال علاقة امرأتين تنتميان إلى خلفيتين اجتماعيتين وثقافيتين مختلفتين.
ويبدو أن مشروع كردفاني السينمائي يتجاوز فكرة تقديم أفلام عن السودان إلى محاولة إعادة سرد التاريخ السوداني من منظور إنساني. فبدلًا من تقديم الأحداث السياسية بوصفها وقائع منفصلة، يبحث المخرج عن انعكاساتها على حياة الأفراد، وعلى الحب والخوف والصداقة والاختيار.
ومع «عن الحب وقوانين سبتمبر»، يواصل كردفاني بناء مشروعه الذي يراهن على الوصول إلى جمهور عالمي، مع الاحتفاظ بالهوية السودانية في المكان والشخصيات والتفاصيل. وبين نجاح «وداعًا جوليا» وطموح الفيلم الجديد، تتشكل تجربة سينمائية تسعى إلى تحقيق معادلة صعبة: أن تكون الحكاية سودانية في جذورها، وعالمية في قدرتها على التواصل.