رأي

السودان الجديد وشرعية التمثيل: مرة أخرى مع خالد كودي

الواثق كمير

قرأت الجزء الأول من مقال الأخ خالد كودي الأخير، “السودان الجديد ليس مقعداً في حوار السودان القديم” (المدى نيوز، 16 أكتوبر 2026)، وذلك ردا على مقالي “حول “تأسيس” والسودان الجديد: تعقيب على خالد كودي”، (سودانايل، 12 أكتوبر 2026). وعلى الرغم من اتساع المقال واستدعائه فانون ودوغلاس ومانديلا ومارتن لوثر كينغ ورولز ودوركين وغيرهم، لم أجد فيه، في جوهره، إضافة كبيرة إلى ما طرحه خالد في مقاله السابق وما ناقشته في تعقيبي عليه.

فهو ما يزال يعيد بناء الخلاف باعتباره خلافاً بين “السودان القديم” و”السودان الجديد”، وبين من يريد المحافظة على الدولة القديمة ومن يريد إعادة تأسيسها. وقد أوضحت من قبل أن هذا ليس موضع الخلاف الذي طرحته أصلاً. لم أدافع عن بنية الدولة السودانية التاريخية، ولم أقل إن المطلوب ترميمها أو العودة إليها، بل دعوت صراحة إلى إعادة بناء الدولة وعقدها السياسي، ومعالجة قضايا المواطنة والتهميش والمركز والأقاليم والعدالة والهوية والدين والدولة وتوزيع السلطة والثروة.

ولذلك لا أرى فائدة في إعادة مناقشة هذه النقطة مرة ثالثة. لكن المقال الجديد يضيف مسألتين تستحقان التوضيح.
أولاً: الحقوق الأساسية ليست هي “المبادئ فوق الدستورية” التي يضعها تنظيم سياسي بعينه. ينسب خالد إليّ القول، ضمناً، بأن المساواة والكرامة وحرية الاعتقاد يمكن أن توضع على طاولة التفاوض، ثم يسأل: هل ينتظر مواطن جبال النوبة أو النيل الأزرق موافقة الآخرين على حقه في المساواة؟ بالطبع لا وأبدا لا. لا أعتقد أن حق الإنسان في الحياة أو الكرامة أو المساواة أمام القانون أو حرية الاعتقاد يصبح حقاً فقط إذا صوتت له أغلبية سياسية. هذه حقوق أساسية لا ينبغي أن تكون موضع مساومة. لكن هذا شيء، والقول إن كل ما يضعه مشروع سياسي معين تحت عنوان “المبادئ فوق الدستورية” يصبح ملزماً للسودانيين قبل بدء العملية الدستورية شيء آخر تماماً.

فحين ننتقل من المساواة وعدم التمييز وحقوق الإنسان إلى قضايا مثل صيغة محددة للعلمانية، أو مفهوم معين للوحدة الطوعية، أو تقرير المصير ونطاقه ووحداته وآليات ممارسته، فإننا نكون قد انتقلنا من الحقوق العامة إلى اختيارات دستورية وسياسية تحتاج إلى تحديد واتفاق.

السؤال هنا ليس: هل السودانيون متساوون؟ بل: كيف تُترجم المساواة إلى مؤسسات وقواعد دستورية؟ وما علاقة الدين بالدولة تحديداً؟ وما شكل الدولة ونظام الحكم؟ وما المقصود بتقرير المصير، ولمن، وفي أي ظروف، وبأي آليات؟
هذه أسئلة سياسية ودستورية لا تحسمها تسمية أحد الأطراف لإجاباته الخاصة بأنها “فوق دستورية”. وإلا انتقلنا من رفض وصاية “السودان القديم” إلى منح مشروع سياسي آخر حق تحديد ما يجوز وما لا يجوز للسودانيين مناقشته قبل أن تبدأ العملية الوطنية نفسها.

ثانياً: تبني مشروع السودان الجديد لا يمنح صفة حكومية.
يكرر خالد أن “تأسيس” تتبنى المواطنة المتساوية والعلمانية واللامركزية وغيرها من مبادئ السودان الجديد، ثم ينتقل من ذلك إلى الدفاع عن “الوجود السياسي والمؤسسي” لحكومتها. وهنا ما يزال السؤال الذي طرحته قائماً. فليس محل خلاف أن من حق الحركة الشعبية أو أي قوة سياسية أخرى أن تتبنى مشروع السودان الجديد، وأن تدافع عنه، وأن تنظم نفسها حوله، وأن تدخل به إلى أي عملية سياسية وطنية. لكن كيف تنتقل هذه الحقيقة إلى نتيجة أخرى هي أن الحكومة التي أنشأها تحالف سياسي–عسكري أثناء الحرب ينبغي التعامل معها بصفتها الحكومية؟

تبني فكرة سياسية لا يجعل التنظيم الذي يتبناها حكومة شرعية، كما أن عدالة بعض مطالب الحركة لا تجعل كل بنية مؤسسية تنشئها أثناء الحرب ممثلاً تلقائياً لتلك المطالب. وخالد نفسه يقر بأن “تأسيس” لا تملك تفويضاً ديمقراطياً لتمثيل الشعب السوداني كله. فإذا كان الأمر كذلك، فما مصدر الصفة الحكومية التي يريد أن تدخل بها إلى العملية السياسية؟ هل مصدرها المشروع الفكري الذي تتبناه؟ أم السيطرة على الأرض؟ أم القوة العسكرية للتحالف الذي نشأت في ظله؟

إذا كان الأول، فلا مشروع فكري يمنح صفة حكومية. وإذا كان الثاني أو الثالث، نعود إلى المشكلة التي ظللت أطرحها منذ البداية: تحويل واقع الحرب إلى وضع سياسي ومؤسسي. وهذا هو أيضاً سبب أن استدعاء تاريخ حركات التحرر، من الجزائر إلى جنوب أفريقيا، لا يحسم موضوعنا. يمكن أن تكون هناك قضايا عادلة حمل أصحابها السلاح دفاعاً عنها، ويمكن أن تكون هناك ظروف تاريخية جعلت الكفاح المسلح جزءاً من مقاومة الظلم. لكن حتى لو سلمنا بكل ذلك، يبقى السؤال قائماً: هل عدالة القضية تمنح أصحاب السلاح حق إنشاء حكومة أثناء الحرب ثم مطالبة بقية القوى بالتعامل معها بهذه الصفة؟ هنا تحديداً يقع الخلاف.

أما السؤال عن “السلاح الثوري” و”سلاح الامتيازات”، فقد أوضحت موقفي منه. ليس المقصود مساواة كل الحروب أو إنكار التاريخ، وإنما رفض أن يمنح أي طرف لنفسه حق تقرير شرعية سلاحه ثم يستمد من هذا الحكم الذاتي حقوقاً سياسية إضافية. عدالة المطالب شيء، وحق امتلاك سلطة حكومية بسبب القدرة العسكرية شيء آخر.

وقد عشت مشروع السودان الجديد وناقشته وكتبت عنه من داخل تجربة الحركة الشعبية نفسها، وعملت عن قرب مع قائدها الراحل د. جون قرنق. ولذلك لا أحتاج إلى أن أكتشف اليوم أن الدولة السودانية تحتاج إلى تغيير عميق أو أن المواطنة المتساوية تقع في قلب هذا التغيير. خلافنا ليس حول هذه المبادئ.
الخلاف هو حول الطريق إليها. فهل نبني الدولة الجديدة من خلال عملية وطنية مفتوحة يتساوى فيها السودانيون في الحق في تقرير شكل دولتهم، أم تبدأ العملية بالاعتراف بالسلطات والتحالفات التي صنعتها الحرب، ثم يُطلب من الآخرين التفاوض معها على مستقبل البلد؟

ولعل في تجربة الحركة الشعبية الأم نفسها ما يستحق التذكير هنا. فقد خاضت الحركة بقيادة د. جون قرنق حرباً طويلة، وأدارت مناطق واسعة خارج سيطرة الخرطوم، وطرحت مشروع السودان الجديد باعتباره مشروعاً لإعادة بناء السودان كله. ومع ذلك، لم تجعل من إنشاء حكومة سودانية موازية شرطاً للتعبير عن هذا المشروع أو للاعتراف به.

وأقول ذلك أيضاً من واقع تجربة مباشرة. فقد كان بعض قادة الحركة وحلفائها يدفعون في أوقات مختلفة نحو السيطرة على جوبا عندما كانت محاصرة عسكرياً، لكن د. جون كان يدرك أن السيطرة على مدينة كبيرة لا تعني مجرد انتصار عسكري، بل تحمل معها مسؤولية حكم وإدارة وخدمات لا ينبغي الدخول فيها لمجرد أن ميزان القوة يسمح بذلك. وكان يتعامل مع حكومة الخرطوم بوصفها الطرف المقابل في الدولة، ويتفاوض معها على إعادة صياغة أسس الحكم والدولة، لا على أساس وجود حكومتين سودانيتين متوازيتين.

وهذه التجربة مهمة لأنها توضح أن حمل مشروع جذري لإعادة بناء الدولة، بل وحتى إدارة مناطق خارج سيطرة الحكومة أثناء الحرب، لا يقود بالضرورة إلى تحويل السيطرة العسكرية إلى صفة حكومية موازية. ولذلك لا أرى أن الاستناد إلى تاريخ الحركة الشعبية أو إلى مشروع السودان الجديد يحسم تلقائياً مسألة الصفة الحكومية لـ”تأسيس”.

ولهذا، بعد المقال الثاني، لا أرى أن موضع الخلاف تغير كثيراً. خالد ما يزال يناقش عدالة مشروع السودان الجديد، بينما أنا أسأل عن الصفة التي تدخل بها القوى التي تتبناه إلى العملية السياسية، وعن العلاقة بين السلاح والحق في الحكم. وهذان سؤالان مختلفان. ربما نستطيع أن نواصل تبادل المقالات حول تاريخ السودان الجديد وشرعية الثورة وتجارب التحرر إلى ما لا نهاية. لكن السؤال الأبسط سيظل أمامنا:
“هل تمنح عدالة المشروع صاحبه حقاً تلقائياً في تحويل سلطة أنشأها واقع الحرب إلى صفة سياسية أو حكومية ملزمة في العملية الوطنية؟”
إذا كانت الإجابة نعم، فهذا هو خلافنا الحقيقي. وإذا كانت الإجابة لا، فإن مساحة الاختلاف بيننا تصبح أضيق كثيراً مما توحي به هذه السلسلة الطويلة من المقالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى