الأحداث – تقرير
في مقابلة صحفية ازاحت الستار عن كواليس الحرب بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، كشف العميد علي رزق الله «السافنا»، عن تفاصيل قال إنها تتعلق بطبيعة وجوده داخل صفوف المليشيا، وعلاقته بالجيش خلال فترة الحرب، فضلاً عن ملابسات انضمامه إلى الدعم السريع وموقفه من تأسيسها وقيادتها. وأكد السافنا أنه ظل على تواصل مستمر مع القوات المسلحة طوال فترة وجوده داخل المليشيا، مشيراً إلى أن علاقته بالجيش لم تنقطع حتى قبل اندلاع الحرب، في وقت دعا فيه إلى استكمال الترتيبات الأمنية للقوات المساندة وصولاً إلى بناء جيش وطني واحد.
ملابسات الانضمام للمليشيا
وتكتسب تصريحات السافنا أهميتها من ارتباطها بمسار الحرب وتداخل الأدوار العسكرية، وفقاً لما أورده في حديثه، إذ تناولت روايته ظروف التحاقه بالدعم السريع، وما قال إنه قام به خلال العمليات العسكرية، إلى جانب رؤيته لأسباب اندلاع الحرب ومستقبل الأوضاع الأمنية والمجتمعية في إقليم دارفور.
من سجن كوبر إلى صفوف الدعم السريع
وفي استعراضه للظروف التي قادته إلى الانضمام إلى الدعم السريع، أوضح السافنا أن بداية وجوده في صفوف المليشيا ارتبطت بالأيام الأولى للحرب، عقب خروجه من سجن كوبر. وقال إنه أثناء مغادرته السجن أوقفته ارتكازات تابعة للدعم السريع بالقرب من منطقة «كرين بحري»، حيث تعرف عليه أفرادها، لتبدأ مرحلة جديدة من وجوده داخل صفوف القوات التي كانت تخوض المواجهات مع الجيش.
ووصف السافنا تلك الظروف بأنها لم تترك أمامه خيارات أخرى، قائلاً: «ما كان عندي خيار آخر غير أمشي في الطريق ده». وتأتي هذه الإفادة في سياق روايته الشخصية للملابسات التي أحاطت بانضمامه، والتي حاول من خلالها تفسير كيفية انتقاله إلى صفوف الدعم السريع رغم تأكيده استمرار علاقته بالمؤسسة العسكرية.
وأكد أن علاقته بالجيش لم تبدأ مع نهاية وجوده في الدعم السريع، بل قال إنها كانت ممتدة حتى قبل اندلاع الحرب، وإن التواصل بينه وبين القوات المسلحة استمر خلال فترة وجوده في صفوف المليشيا. ولم يقدم في الإفادات الواردة تفاصيل إضافية مستقلة بشأن طبيعة قنوات الاتصال أو توقيتاتها، الأمر الذي يترك جوانب من روايته بحاجة إلى مزيد من الإيضاح والتحقق.
أدوار ميدانية واتصالات بالجيش
وفي واحدة من أبرز النقاط التي أثارها، كشف السافنا عن أدوار قال إنه اضطلع بها خلال العمليات العسكرية، مشيراً إلى أنه قام بسحب قوات تابعة للدعم السريع إلى منطقة بارا، لتصبح في مواجهة مع الجيش الذي قال إنه تمكن من القضاء عليها.
كما أفصح عن إدخاله 1163 مدفعاً إلى القوات المسلحة، في تصريح يسلط الضوء على حجم الدور الذي يقول إنه أداه في مجال دعم الجيش خلال الحرب. غير أن إفادته لم تتضمن تفاصيل فنية إضافية عن أنواع المدافع أو الفترات التي جرى خلالها إدخالها أو كيفية نقلها، وهي معلومات من شأنها أن تساعد في استجلاء ملابسات هذا التصريح.
وشبّه السافنا دوره خلال الحرب، وطبيعة التواصل الذي قال إنه حافظ عليه مع الجيش، بشخصية «رأفت الهجان»، في إشارة إلى ما وصفه بالعمل في ظروف معقدة مع استمرار التواصل مع الجهة التي يقول إنه كان على ارتباط بها.
نفي ارتكاب الانتهاكات
وفي ما يتعلق بالاتهامات المرتبطة بالانتهاكات التي شهدتها البلاد، أعلن السافنا تبرؤه من ارتكاب أي تجاوزات، متحدياً من يتهمونه بتقديم ما يثبت تورطه. وقال: «أنا أنضف من الدعم السريع وأتحداهم».
وأضاف، في معرض نفيه المشاركة في أحداث سابقة أو انتهاكات خلال الحرب، أنه لم يشارك في ضرب المتظاهرين أو فض الاعتصام، ولم يقتحم منازل المواطنين أو يستخدم الطائرات المسيّرة، وفقاً لما أورده في حديثه.
وشدد على أنه يعتبر نفسه ضابطاً في القوات المسلحة، وأن تحركاته، بحسب قوله، كانت مرتبطة بتعليمات وأوامر تحرك عسكرية، مضيفاً: «أنا ضابط في الجيش بتحرك بتعليمات الجيش وبأمر تحرك». كما أكد أن لديه معزة خاصة للمؤسسة العسكرية، وأن انضمامه إليها ضمن الدفعة 44 في إطار الترتيبات الأمنية جاء بدافع الغيرة الوطنية.
وكشف السافنا كذلك عن تعرضه لـ47 إصابة في جسده، إلى جانب نجاته من عدة محاولات اغتيال، دون أن ترد في الإفادات المتاحة تفاصيل إضافية عن توقيت تلك الإصابات أو الظروف التي وقعت فيها.
وتظل هذه التصريحات تعبيراً عن موقف السافنا من الاتهامات الموجهة إليه، فيما يتطلب حسم أي اتهامات متعلقة بالانتهاكات الاستناد إلى الأدلة والتحقيقات المستقلة، بعيداً عن الروايات الفردية أو المواقف المعلنة.
خلافات قيادة الدعم السريع
وفي جانب آخر من حديثه، عاد السافنا إلى البدايات الأولى لتأسيس قوات الدعم السريع، مقدماً رواية عن طبيعة القوة ومهامها المقترحة في تلك المرحلة. وقال إن القوات طُرحت في البداية تحت مسمى «قوات التدخل السريع»، بقوام بلغ عشرة آلاف مقاتل، وكانت مهمتها، وفقاً لروايته، حسم التمرد والنزاعات القبلية.
وأوضح أنه اشترط لتولي رئاسة تلك القوات أن تكون تبعيتها لفرق القوات المسلحة في دارفور، بما يضمن ارتباطها بالهيكل العسكري للجيش، لكنه رفض تولي قيادتها بعد عدم تنفيذ ذلك الشرط.
وأشار إلى أن محمد حمدان دقلو «حميدتي» تولى قيادة القوات بإيعاز من نائب الرئيس السوداني السابق حسبو محمد عبدالرحمن، مؤكداً أنه رفض العمل داخلها تحت قيادة حميدتي.
واستشهد السافنا بموقفه من مسألة القيادة بقوله: «قلت ليهم أنا ضابط ما بيقودني حكمدار»، في تعبير عن رفضه، بحسب روايته، أن تكون قيادته العسكرية خارج التسلسل الذي كان يراه مناسباً لطبيعة المؤسسة العسكرية.
وتكشف هذه الإفادات عن خلافات يقول السافنا إنها ظهرت منذ مرحلة تأسيس القوة بشأن تبعيتها وتسلسل القيادة فيها، وهي مسائل ترتبط بطبيعة العلاقة بين الدعم السريع والجيش، وتثير أسئلة بشأن كيفية تطور تلك العلاقة وصولاً إلى المواجهات التي اندلعت في أبريل 2023.
تخطيط خارجي للحرب
وفي تفسيره لأسباب اندلاع الحرب، قال السافنا إن جهات خارجية رتبت لها، مستنداً إلى ما وصفه بلقاءات كانت تجمع دبلوماسيين أجانب بحميدتي قبل اندلاع المواجهات.
ولم تتضمن الإفادات الواردة تفاصيل محددة عن أسماء الدبلوماسيين أو تواريخ اللقاءات أو طبيعة ما دار خلالها، كما لم يقدم السافنا أدلة مستقلة تدعم اتهامه بالتخطيط الخارجي. لذلك تبقى هذه الجزئية من حديثه ادعاءً يحتاج إلى توثيق وتحقق، بالنظر إلى ما تحمله من اتهامات ذات أبعاد سياسية وأمنية.
وفي سياق انتقاده لقيادة الدعم السريع، شكك السافنا في القدرات العسكرية لحميدتي وشقيقه عبدالرحيم دقلو، إلى جانب عثمان عمليات، قائلاً إنهم لا يستطيعون إدارة معركة لعشر دقائق. ويعكس هذا التصريح موقفاً نقدياً حاداً من القيادة التي كانت تتولى إدارة العمليات العسكرية داخل المليشيا، لكنه لا يشكل في حد ذاته تقييماً عسكرياً مستقلاً لقدراتها.
دارفور والجيش.. قراءة في الموقف الشعبي
وعن الأوضاع في إقليم دارفور، قال السافنا إن سكان الإقليم ليست لديهم مشكلة مع القوات المسلحة، وإنهم يرغبون في وصول الجيش إلى دارفور.
وتأتي هذه الإفادة في ظل تعقيدات المشهد الأمني والاجتماعي في الإقليم، وما فرضته الحرب من تحديات على المدنيين ومؤسسات الدولة والعلاقات بين المكونات المحلية. ومع ذلك، فإن تعميم موقف واحد على جميع سكان دارفور يحتاج إلى بيانات وشهادات متنوعة تعكس اختلاف الظروف والآراء بين المناطق والمجتمعات.
ووصف السافنا القوات المسلحة بأنها أقوى جيش وطني في المنطقة، معتبراً أن تمسكها بمبادئها ووحدتها كان من العوامل التي مكنتها من الصمود خلال الحرب. وربط في حديثه بين قوة الجيش وقدرته على الاستمرار وبين أهمية الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية وتماسكها.
الترتيبات الأمنية.. الطريق إلى جيش واحد
وفي ما يتعلق بمستقبل القوات المساندة، دعا السافنا إلى ضرورة استكمال الترتيبات الأمنية، بما يفضي إلى الوصول إلى جيش وطني واحد. وتأتي هذه الدعوة في سياق النقاش حول مستقبل التشكيلات المسلحة، وسبل دمج القوات وإعادة تنظيمها ضمن مؤسسات الدولة العسكرية وفق ترتيبات واضحة.
ويمثل ملف الترتيبات الأمنية أحد التحديات المهمة أمام أي مسار مستقبلي للاستقرار، إذ يرتبط بتحديد هياكل القيادة، وضبط حمل السلاح، وإعادة تنظيم القوات، وضمان خضوعها للمؤسسات الرسمية. كما أن نجاح هذه العملية يتطلب معالجة الملفات المرتبطة بالثقة بين الأطراف، وتوفير ضمانات عملية تحول دون تجدد الصراعات.
ومن هذا المنطلق، تبدو دعوة السافنا إلى جيش واحد جزءاً من رؤيته المعلنة لمستقبل البلاد، وإن كانت تفاصيل الآليات التي يقترحها لتنفيذ الترتيبات الأمنية لم ترد بصورة موسعة في الإفادات المتاحة.
مصالحات دارفور
وفي محور المصالحات المجتمعية، أبدى السافنا استعداداً للمساهمة في جهود بناء السلام بدارفور، سواء بصفته قيادياً مجتمعياً أو من خلال دوره المهني كضابط، معتبراً أن القيادات المحلية يمكن أن تحقق اختراقاً في ملف المصالحات إذا أتيحت لها الفرصة.
وأوضح أن العمل في هذه المرحلة ينبغي أن يبدأ بتهيئة المناخ الاجتماعي، وتكوين آليات لفض النزاعات، وتقليل الآثار التي خلفتها الحرب على المجتمعات المحلية. وهي مهام تتجاوز وقف المواجهات العسكرية إلى معالجة تداعيات الصراع على العلاقات الاجتماعية ومصادر الرزق والاستقرار اليومي للمواطنين.
وتحتاج المصالحات، وفقاً لطبيعة التحديات التي تواجه دارفور، إلى مشاركة واسعة من الإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية والشباب والنساء، إلى جانب مؤسسات الدولة والجهات المعنية ببناء السلام. كما تتطلب معالجة أسباب النزاعات المحلية، وتعزيز الثقة، ووضع آليات فعالة لمنع تجدد المواجهات.
ويقول السافنا إن القيادات التي تمتلك معرفة بطبيعة المجتمعات المحلية يمكنها الإسهام في تهيئة الظروف اللازمة لهذه العملية، وهو ما يطرح أهمية الاستفادة من المبادرات المجتمعية ضمن مسار شامل لإعادة الاستقرار.