تقارير

بعثة تقصي الحقائق في السودان.. هل يضعف غيابها دقة تقاريرها؟

الأحداث – تقرير
على الرغم من تمسك الخرطوم بعدم التعاون معها، اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قرارا بتمديد ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان عاما آخر، في خطوة قال مراقبون وناشطون حقوقيون إنها قد تؤثر على موثوقية ودقة تقارير البعثة عن الأوضاع في البلاد.

ونشأت البعثة لأول مرة في أكتوبر 2023 بموجب قرار صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وذلك للتحقيق في الانتهاكات والتجاوزات المرتكبة منذ اندلاع النزاع بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023.

وفي أكتوبر 2024، مدّد مجلس حقوق الإنسان ولاية البعثة لعام إضافي، قبل أن تمدد مرة أخرى الاثنين الماضي، مما يمنحها عاما جديدا لمواصلة التوثيق والتحقيق.

وتبنّى المجلس الأممي قرار التمديد بموافقة أغلبية 28 دولة مقابل معارضة 10 دول وامتناع باقي الأعضاء عن التصويت، متجاوزا الاعتراضات الرسمية من الحكومة السودانية.

ونص القرار، الصادر بعنوان “الاستجابة لأزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية الناجمة عن النزاع المسلح الدائر في السودان”، على المطالبة بالوقف الفوري لإطلاق النار دون شروط مسبقة، وتدشين عملية انتقال سياسي بقيادة مدنية.

كما شدد القرار على سيادة السودان، واستقلاله، ووحدته الترابية، والرفض القاطع لإقامة أي سلطات أو كيانات حُكم موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.

كسر الإجماع
وفقا لمسؤول في الخارجية السودانية، فإن البعثة السودانية في مجلس حقوق الإنسان كسرت محاولة حصول مشروع القرار البريطاني على إجماع دولي بفضل تحركات وسط الدول الصديقة والتكتلات المساندة، على الرغم من الدعم الذي حظي به المشروع من الولايات المتحدة والمجموعة الأوروبية.

ويوضح المسؤول للجزيرة نت، بعدما طلب حجب هويته، أن السودان كسب إلى جانبه أصوات 10 دول ذات ثقل دولي وإقليمي رفضت المشروع، أبرزها الصين ومصر، إلى جانب باكستان وقطر والعراق والكويت، كما أفلح في تحييد 9 دول أخرى آثرت الامتناع عن التصويت.

وانتقد مندوب السودان لدى مقر الأمم المتحدة في جنيف السفير حسن حامد تجاهل الملاحظات الجوهرية التي أبداها حول مشروع القرار؛ وأكد أن المساءلة عن الجرائم وتحقيق العدالة يمثلان أولوية وطنية قصوى للحكومة قبل أن تكون مطلبا خارجيا.

ورفض حامد، في تصريح صحفي، ما وصفه بـ”تجاهل دور المؤسسات العدلية الوطنية ومساواة الجيش بقوات الدعم السريع”. وقال إن وفد بلاده أبدى استعداده للنظر في تطبيق مبدأ التكاملية، بحيث يكون دور أي آلية خارجية مكملا للجنة الوطنية للتحقيق وليس بديلا عنها.

وحسب تقديرات خبراء وحقوقيين، فإن غياب التعاون الحكومي يُفقد البعثة إمكانية المعاينة المباشرة، ويعطي خصومها مادة للطعن في حيادها ودقتها، إلا أن الاعتماد المكثف على التقنيات الرقمية والأدلة المادية والأقمار الصناعية يُقلل من حجم هذا التأثير ويُبقي التقارير مقبولة لدى جهات قضائية ودولية.

جدل الموثوقية
ويلخص الخبير القانوني والأستاذ الجامعي إبراهيم الطاهر للجزيرة نت أبعاد الجدلية بشأن دقة وموثوقية تقارير البعثة الأممية في:

غياب المعاينة المباشرة وعدم القدرة على زيارة مسارح الأحداث، ومقابر الضحايا، والمستشفيات، والمراكز العسكرية للتحقق من الأدلة على الأرض.
الاعتماد الكبير على المقابلات مع اللاجئين والفارين في الدول المجاورة، وهو ما قد يُعرض الشهادات للتأثر بالاستقطاب السياسي أو الاستناد إلى روايات شفهية غير موثقة بالكامل.
صعوبة مقابلة المتهمين أو القيادات الميدانية من الطرفين داخل البلاد لمواجهتهم بالتهم وأخذ ردودهم الرسمية أثناء إعداد التقرير.
أما في منهجيات البعثة للتعويض وضمان الموثوقية، فإن أبرز ما يدفع به من يساندونها حسب الخبير القانوني هو:

اعتماد البعثات الأممية في مثل هذه الظروف على معايير إثبات صارمة تُعرف بـ”التحقق المتعدد”، وتتضمن: التوثيق البصري لحرق القرى، والدمار الفضائي، وتحركات الآليات، والمقابر الجماعية وتحديد تواريخها بدقة.
التحقق من الفيديوهات والصور المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي عبر التقاطعات الزمنية والجغرافية، وتحليل الظلال والبيانات الوصفية للصور.
جمع مقاطع الفيديوهات والصور والوثائق المخزنة في هواتف الضحايا والشهود المباشرين، إضافة إلى أدلة من السجلات الطبية للمصابين في مستشفيات دول الجوار.
تطبيق مبدأ لا يتم فيه اعتماد أي واقعة إلا إذا تكررت في شهادات مستقلة لعدة أشخاص لا يعرفون بعضهم بعضا ويوجدون في أماكن مختلفة.
ومن الناحية العملية، وفق خبراء، تعتبر الآليات الوطنية ضرورية للعدالة الانتقالية ولا يمكن الاستغناء عنها، لكنها في الظرف الراهن غير كافية بمفردها لدى جميع أطراف النزاع والضحايا نظرا للاستقطاب السياسي والعسكري؛ ولهذا السبب يصر نافذون في المجتمع الدولي على وجود مسار دولي مواز لضمان الحياد والمساءلة الشاملة لكل الأطراف.

انقسام حاد
أما القاضي السابق محمد إسماعيل، فينظر لملف هذه القضية من زوايا عدة، كما يقول للجزيرة نت، ويرى أن الواقع يعكس انقساما حادا بين موقف الحكومة السودانية وتقييم منظمات حقوقية وأممية، وينبغي المواءمة بين هذه المواقف لإيجاد تكامل بينهما، ويلخص الوقف السوداني كالتالي:

تعتبر الحكومة السودانية قرار تمديد ولاية البعثة الأممية مساسا بسيادة البلاد، وأن إنشاء البعثات الدولية والتمديد لها من دون موافقتها يمثّل نوعا من الوصاية والتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للبلاد.
تتهم السلطات السودانية مجلس حقوق الإنسان بالتسييس وازدواجية المعايير، مشيرة إلى أن التقارير التي تعدّها البعثة تساوي بين مؤسسة الدولة الرسمية وبين قوات الدعم السريع، مما يمنح الأخيرة شرعية لا تستحقها.
تؤكد الحكومة أن الآليات والقضاء الوطني قادران على التحقيق في الانتهاكات والتجاوزات الناجمة عن النزاع ومحاسبة المرتكبين، وأن تعزيز هذه الآليات يغني عن فتح مسارات دولية متوازية.

غير كافية
وفي الجانب الأخر، كما يوضح إسماعيل، فإن البعثات الدولية والمنظمات الحقوقية ترى أن الآليات الوطنية غير كافية وتواجه أزمة موثوقية لعدة أسباب:

تُشكّل اللجان الوطنية بقرارات حكومية وتتبع للجهاز التنفيذي أو القضائي مما يجعل تحقيقاتها تركز بشكل شبه كلي على انتهاكات قوات الدعم السريع وتتغاضى عن التجاوزات التي تُنسب للجيش.
لا تستطيع اللجان التابعة للخرطوم التحقيق ميدانيا في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع خاصة في ولايات دارفور وبعض مناطق كردفان والنيل الأزرق، مما يجعل تحقيقاتها مبتورة جغرافيا.
أدت الحرب إلى تدمير واحراق عدد كبير من المحاكم، وإفراغ السجون، وتشتت القضاة ووكلاء النيابة في عدة ولايات لا تزال غير آمنة، مما يضعف قدرة النظام القضائي على إجراء محاكمات عادلة ومحمية.
غياب آليات قانونية وميدانية لحماية الضحايا والشهود داخل البلاد من الانتقام والملاحقة الأمنية عند الإدلاء بشهاداتهم.
نقلا عن “الجزيرة نت”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى