رأي

مصر تتجه لأفريقيا بالدبلوماسية الاقتصادية

مهند عوض محمود

في العلمين الجديدة، قدمت مصر تصوراً عملياً لتوسيع حضورها في أفريقيا: قادة دول ووزراء وواضعو سياسات يلتقون برجال الأعمال ومؤسسات التمويل، لربط العلاقات السياسية بالمشروعات والإنتاج والأسواق. ومن موقع المشاركة في «منتدى العلمين–أفريقيا»، بدا لي أن القاهرة تسعى إلى تحويل ثقلها الإقليمي وقدراتها الاقتصادية إلى شراكات تمنح حضورها الأفريقي عمقاً واستمرارية.

وجاء انعقاد المنتدى على هامش قمة الاتحاد الأفريقي نصف السنوية الثامنة ليمنح هذا التوجه زخماً سياسياً واقتصادياً. وكانت الفكرة التي جمعت نقاشاته هي الانتقال من الطموح إلى التنفيذ؛ فالقارة تحتاج إلى تحويل مواردها وأسواقها وفرصها الاستثمارية إلى مشروعات تنتج وتوظف وتزيد التجارة بين دولها.

وقد لمسنا جدية هذا التوجه قبل الوصول إلى العلمين، حين دُعينا، بوصفنا رجال أعمال سودانيين مستثمرين في مصر، إلى وزارة الخارجية المصرية، وتلقينا التنوير والدعوة من سعادة السفير محمد أبو بكر، نائب وزير الخارجية للشؤون الأفريقية. وكانت تلك الخطوة تعبيراً عن اهتمام بإشراك القطاع الخاص السوداني في هذا الحراك، وعن إدراك أن نجاح التعاون الاقتصادي يبدأ بالتواصل مع أصحاب الأعمال وفهم ما يستطيعون تقديمه.

ولهذا الاهتمام دلالة خاصة في ظل الحرب الدائرة في السودان. فدعوة رجال الأعمال السودانيين إلى المشاركة تعني إبقاء السودان حاضراً في حسابات التعاون والاستثمار، والنظر إلى قدراته الإنتاجية وفرص تعافيه، إلى جانب احتياجاته العاجلة. وقد تعزز هذا الحضور بمشاركة رفيعة من اتحاد أصحاب العمل السوداني، برئاسة السيد معاوية محمد أحمد البرير، إلى جانب عدد من رجال الأعمال السودانيين.

وتوضح حركة التجارة أهمية هذه العلاقة؛ إذ بلغ التبادل التجاري بين مصر والسودان نحو 957 مليون دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، وفق بيانات الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء. ويضع مجموع الصادرات والواردات المعلنة السودان في المرتبة الثانية بين الشركاء التجاريين الأفارقة لمصر خلال تلك الفترة، بعد ليبيا. وهذا الحجم، رغم ظروف الحرب، يكشف عمق المصالح الاقتصادية بين البلدين، وحجم الفرص التي يمكن أن يفتحها استقرار السودان واستعادة إنتاجه.

ومن الجوانب التي أعجبتني جودة التنظيم والتواصل المستمر مع المشاركين، عبر البريد الإلكتروني والتحديثات اليومية ورسائل الواتساب، بما أبقانا على اطلاع بالبرنامج وترتيبات الحضور واللقاءات. وأرى أن الجهة التي تولت إدارة هذه الترتيبات وتنظيم لقاءات الأعمال الثنائية بين الشركات «B2B» قدمت تجربة ممتازة تستحق الإشادة؛ فقد ساعد هذا التواصل على تنظيم وقت المشاركين وتيسير الوصول إلى اللقاءات المناسبة. وفي منتدى يستهدف بناء الشراكات، تصبح جودة التنظيم جزءاً من قيمته الاقتصادية، لأنها تساعد رجال الأعمال على الاستفادة الفعلية من فرص التواصل والتعاون.

أما القيمة الأهم للمنتدى، فهي جمع رجال الأعمال بمتخذي القرار وواضعي السياسات ومؤسسات التمويل الإقليمية في مكان واحد. فالمستثمر يحتاج إلى فهم السياسات والضمانات، والحكومة تحتاج إلى شركاء قادرين على التنفيذ، ومؤسسات التمويل تحتاج إلى مشروعات واضحة وقابلة للتمويل. وعندما تلتقي هذه الأطراف، تصبح فرص الانتقال من الفكرة إلى المشروع أكبر.

وتبرز رؤية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي من خلال ما نُقل عن حديثه في لقاء الغداء الرئاسي في ختام الفعاليات، بأن دعوة رؤساء الدول والوزراء والاقتصاديين ورؤساء الغرف التجارية الأفريقية تستهدف إتاحة اللقاء بينهم وبين رجال الأعمال المصريين، وفتح المجال للتعارف والتعاون. وهي رؤية تدرك أهمية توظيف العلاقات السياسية في بناء شراكات اقتصادية، وتيسير التواصل بين أصحاب القرار والقطاع الخاص.

وحين تهيئ القيادة السياسية هذا اللقاء، فإنها تتيح للشركات فهم أولويات التنمية لدى شركائها، وتمنحها فرصة لبناء علاقات قد يصعب الوصول إليها بالجهد الفردي وحده.

وتتوافق رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي مع ما أنجزته مصر من بنية تحتية خلال السنوات الماضية، من مناطق صناعية جديدة وشبكات طرق وموانئ وقدرات في الطاقة. ومع التواصل الاقتصادي الأفريقي، تستطيع مصر أن تصبح مركزاً رئيسياً للقيمة المضافة والصناعات التحويلية، عبر استيراد المواد الخام الزراعية والمعدنية من دول القارة وتصنيعها، ثم تقديم منتجات نهائية بأسعار تنافسية للأسواق الأفريقية والعالمية، مستفيدة من الاتفاقيات التجارية التي تربطها بهذه الأسواق. وهكذا تتكامل موارد القارة مع القدرات الصناعية المصرية، وتتوسع فرص الإنتاج والتجارة والعمل، بما يحقق مصالح مشتركة لمصر وشركائها الأفارقة.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم استراتيجية التحرك المصري نحو أفريقيا. فمصر ذات ثقل عربي راسخ، ولها حضور تاريخي في القارة، وهي تعمل اليوم على توسيع أدوات هذا الحضور عبر الاقتصاد والاستثمار والتجارة. والدبلوماسية الاقتصادية تمهد لها دوراً محورياً يجمع التأثير السياسي والدبلوماسي بالقدرة على تقديم شراكات تنموية يحتاجها الآخرون ويستفيدون منها.

ويحتاج هذا التوجه إلى مزيد من التعريف بالمنتجات المصرية والقدرات الصناعية وفرص الشراكة مع الشركات المصرية داخل الأسواق الأفريقية. فمعرفة مصر سياسياً وتاريخياً لا تعني بالضرورة الإحاطة بما تمتلكه اليوم من إمكانات اقتصادية. وهنا تبرز قيمة هذا النوع من المؤتمرات والمنتديات، التي تتيح للشركاء الأفارقة التعرف المباشر على هذه القدرات، وتفتح المجال لبناء علاقات تجارية واستثمارية على أساس معرفة متبادلة وفرص ملموسة.

وكان حضور الشباب والشركات الناشئة في برنامج المنتدى مهماً في هذا السياق. فالتكامل الأفريقي يحتاج أيضاً إلى رواد أعمال يقدمون حلولاً في التكنولوجيا والزراعة والطاقة والخدمات. وربط هؤلاء بالمستثمرين ومؤسسات التمويل والشركات الكبرى يفتح أمامهم فرصة لتحويل الابتكار إلى نشاط اقتصادي، ويمنح التعاون بين دول القارة امتداداً إلى جيل جديد.

وتبقى القيمة الاقتصادية للمنتدى فيما تتحول إليه لقاءاته من اتفاقات تُنفذ، وتمويل يُتاح، ومصانع تعمل، وأسواق تُفتح. فاستمرار العلاقات التي بدأت في العلمين وتحولها إلى شراكات منتجة هو ما يمنح هذا الحراك أثره الممتد.

وبالنسبة إلينا في السودان، فإن هذا الحراك يضع أمام القطاع الخاص مسؤولية إعداد مشروعات واضحة وقابلة للتمويل، تربط موارد البلاد بفرص التصنيع والتجارة الإقليمية. فالتعافي الاقتصادي يحتاج إلى شركاء، ويحتاج كذلك إلى مبادرات سودانية جادة تستطيع تحويل فرص التعاون إلى إنتاج وفرص عمل.

ولم يكن اختيار العلمين الجديدة لاستضافة هذا الحدث تفصيلاً عابراً. فالمدينة نفسها تحمل رسالة عن قدرة التخطيط والاستثمار على تغيير المكان. وفي منطقة ارتبط اسمها بمعارك الحرب العالمية الثانية عام 1942، وبما خلفته من ألغام ومخلفات حرب، برزت مدينة حديثة بأبراجها وطرقها ومرافقها ومنشآتها السياحية، لتقدم صورة ملموسة للتحول العمراني الذي شهدته مصر.

كما أن استضافة قادة الدول والوزراء ورجال الأعمال ووسائل الإعلام في العلمين تتيح التعريف بالمدينة بوصفها وجهة للسياحة والاستثمار والمؤتمرات. فالمشارك يرى إمكاناتها مباشرة، ويختبر خدماتها، ويحمل معه صورة يمكن أن تفتح أبواباً لزيارات واستثمارات جديدة. وهكذا يخدم اختيار المكان أهداف الحدث، وتصبح المدينة جزءاً من الرسالة الاقتصادية المصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى