تقارير

حينما يقول وزير الخارجية الأمريكي أن “المصالح الوطنية تعلو على القيم السامية” فماذا ينتظر العالم من الولايات المتحدة ؟

الأحداث – تقرير
مرّ أسبوع منذ أن أدلى وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، بتصريحات لافتة ومفاجئة بشأن السودان والمبادئ التي ستحكم نهج بلاده في علاقاتها الدولية – ووفقاً لكلماته هو شخصياً: “على الأقل طالما بقي الرئيس ترامب في منصبه” – وكذلك في تعاملها مع قضايا الحرب والسلم في السودان.

لم تكن هذه الأمور خافية على أحد، لكن لم يتوقع أحد أن يطرحها الوزير بتلك الصراحة الفجة؛ وهو ما يفسر غياب ردود الفعل القوية أو الملموسة. ومع ذلك، فقد بدا الأمر صريحاً وواقعياً، ورسم ملامح الطريقة التي ينبغي للحكومات والجهات المختلفة التعامل بها مع إدارته إذا ما أرادت تحقيق أي نتائج، والسودان ليس استثناءً من ذلك.

لم تعد هناك قيم ومبادئ عالمية سامية:

صرح روبيو للصحفيين والإعلاميين في 22 سبتمبر 2026، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الحالية، بأنه لم تعد هناك مبادئ سامية أو توجيهات أممية تملي علي الناس ما يجب فعله أو تجنبه في العلاقات الدولية، باستثناء المصالح الوطنية لكل دولة، والتي تُقيَّم بالطبع من منظور الإدارة الأمريكية الحالية. وفي البيان الذي أعادت وزارة الخارجية نشره، قال روبيو: “انظروا، النظام الدولي ليس في حالة جيدة حالياً. وتلك الأعراف الدولية التي يتحدث عنها الناس… أعتقد أن حدود هذه الأعراف هي مصلحتك الوطنية”. كما شدد على أنه “في نهاية المطاف – وهو أمر أكدته أنا والرئيس منذ البداية- فإن رؤية هذه الإدارة تتلخص في أن الالتزام الأول لأي حكومة هو المصلحة الوطنية لبلادها”.

بهذه التصريحات يكون روبيو قد سكب دلواً من الماء البارد على المبادئ والمواثيق السامية التي وضعها الآباء المؤسسون للأمم المتحدة؛ ففي حين يحافظ المجتمع الدولي -على الأقل- على مظهر من مظاهر الدبلوماسية واللغة المجازية المهذبة، لم يفعل روبيو ذلك. وخلاصة قوله هي: إذا أردت أن تقف الولايات المتحدة في صفك، فعليك أن تبيّن لها ما الذي ستجنيه هي من ذلك ما الذي لن تخسره إن هي أقبلت على هذا الأمر، عندها ستحظى بالدعم والمؤازرة الأمريكية؛ فالأمر ببساطة على هذا النحو.

ويعود ذلك -في نظره- إلى أن النظام الدولي، والأمم المتحدة على وجه الخصوص، قد تجاوزت الغاية التي أُنشئت من أجلها؛ إذ باتت منخرطة في شتى الأمور التي لا ينبغي لها التدخل فيها، وفي الوقت ذاته تجدها عاجزة عن حل أي صراع رئيسي في العالم تقريباً.
“لذا، أعتقد أن هناك إجماعاً -سواء في هذا الاجتماع الأممي الراهن أو على نطاق أوسع- على أن النظام الدولي معطّل، لكنه تعطل بسبب ممارساته هو؛ إذ يحتاج الأمر إلى إعادته للتركيز على مساره الصحيح ودوره السليم”.

وقد ذهب روبيو إلى أبعد من ذلك في الردود التي قدمها لوسائل الإعلام (والتي جاءت في 53 صفحة)، مؤكداً أنه سيكون أمراً رائعاً لو توفر لدينا نظام دولي فعّال؛ نظام قادر -على سبيل المثال- على التعامل مع الحرب التي نشبت بين تايلاند وكمبوديا، أو الصراع المحتمل بين الهند وباكستان، أو الأوضاع في جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، أو ما يجري في السودان، أو التوترات المتعلقة بإيران في المضائق البحرية.

ثم أطلق تصريحه القوي: “في الوقت الراهن، يبدو أننا نفتقر إلى نظام دولي فعّال قادر على معالجة هذه القضايا، وفي ظل غياب ذلك، ستتصرف الدول القومية وفقاً لمصالحها الوطنية”.

رؤية الولايات المتحدة للسلام في السودان:

للتدليل على مدى أهمية قضية السودان بالنسبة للإدارة الأمريكية في هذا الوقت بالذات، يكفي القول إن روبيو خصص 5% من وقت تصريحاته الصحفية للحديث عن السودان، وهو ما يعادل صفحتين من أصل 47 صفحة نشرها موقع وزارة الخارجية الأمريكية، وقد أوضح ثلاث نقاط: الوضع الإنساني في السودان مأساوي ومعقد، والتدخلات الخارجية في الحرب تزيد من تعقيد الموقف، كما أنه آثر عدم تسمية الأطراف الخارجية الضالعة في حرب السودان “تجنباً لمزيد من التعقيد”!! ومع ذلك، فهو يري إن اهتماماً كبيراً يُكرّس حالياً من قبل إدارة ترامب لحل أزمة السودان.

كيف يتم ذلك؟ أشار الوزير روبيو إلى أن حكومته خصصت فريقاً من المختصين للعمل على ملف السودان بشكل متفرغ تماماً و قال إنه أمر يبعث على الإحباط الشديد فقد جرى التوصل إلى اتفاقيات في محافل مختلفة حول العالم؛ حيث وافقت الأطرافٌ على البنود ووقعوا عليها، لكن تلك الالتزامات لم تُنفَّذ قط.

و استدرك : “أريد أن أكون صريحاً؛ فنحن جميعاً ندرك أن ما يحدث في السودان لم يكن ليقع أصلا لولا وجود أطراف خارجية تدعم هذا الطرف أو ذاك، وهذا الأمر يثير إحباطاً متزايداً. لقد انخرطنا في هذا الملف وشاركنا فيه؛ إذ سعينا -نحن والمملكة المتحدة ودول أخرى- للقيام بدور في الدفع بهذه الجهود قدماً”.

ما الذي يعيق تلك الجهود ويحول دون تحقيق نتائج ملموسة؟

أعرب المسؤول الأمريكي عن استيائه حيال ذلك قائلاً: “في كل مرة يبدو أننا نحرز تقدماً نحو هدف ما -أو على الأقل نحو خطوة محددة؛ إذ نود بالطبع رؤية اتفاق سلام دائم، لكننا نطمح -كحد أدنى- إلى فتح ممرات إنسانية نظراً لضخامة الكارثة الإنسانية هناك – وفي كل مرة يبدو أننا على وشك إحراز تقدم يتراجع أحد الطرفين أو الآخر لاعتقاده بأنه يحقق انتصاراً أو أنه قادر على تحقيقه.

وهناك أطراف خارجية (متورطة) ولكن حتى قبل أن يتمكن الصحفيون من سؤاله عن تلك الأطراف -مع توجّه أنظار معظمهم نحو الإمارات- سارع المسؤول الأمريكي للتأكيد قائلاً: “لن أحدد تلك الأطراف بالاسم؛ فأنتم تعرفون من هي. لا أريد خلق مزيد من التوتر أو الاحتكاك غير الضروري. ومع ذلك، فإن تلك الحرب وذلك الصراع وتلك الأزمة ما كانت لتحدث لولا المشاركة الفاعلة لأطراف خارجية تغذي أحد طرفي الصراع أو الآخر”.

ورأى روبيو أنه في نهاية المطاف، لن يتحقق أي تقدم ما لم تكن تلك الأطراف الخارجية مستعدة لاستخدام نفوذها وممارسة الضغط على وكلائها للوفاء بالالتزامات التي قطعوها على أنفسهم.
وذكر أن بلاده تطرح هذه القضية في كل محفل ومناسبة ممكنة. وأشار إلى أن الولايات المتحدة ترغب في رؤية نتيجة إيجابية هناك؛ فعلى أقل تقدير، تود رؤية معالجة للوضع الإنساني الذي يتسم بالكارثية والفظاعة، إذ تعجز منظمات الإغاثة عن دخول مناطق القتال النشطة هذه. وقد قطع كلا الطرفين وعوداً بجعل مناطق معينة آمنة، “لكنهما لا يفيان بتلك الوعود”.

واختتم حديثه عن قضية السودان بالقول إن بلاده “ترغب في رؤية حل نهائي للحرب -وهذا لا يعني أننا سنتوقف [عن المساعي]- ولكن إذا تمكنا على الأقل من تحقيق إنجاز إنساني على المدى القصير، فيمكننا البناء عليه؛ وهذا ما حاولنا فعله. غير أن الأمر كان محبطاً، كما قلت، بسبب الأطراف الخارجية المتورطة”.
نقلا عن “المحقق”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى