بسم الله الرحمن الرحيم
اسْتِفْهَامَات أحمد المصطفى إبراهيم
Istifhamat1@gmail.com
في زمن مضى، كنا نرى حافلات (بصات) تجوب العاصمة مكتوباً عليها: «ترحيل ضباط»، بعضها باللون الأخضر التابع للجيش، وأخرى باللون الأزرق التابع للشرطة.
ثم تولى وزارة الدفاع الرجلُ المقرب للرئيس، وأصدر بصفته وزيراً للدفاع قراراً — أشك في أنه اتخذه بعد دراسة — قراراً من جملة واحدة: «سيارة لكل ضابط جيش!»، وأمر شركة «جياد» للسيارات بتوفير الكمية المطلوبة، وكأن «جياد» تزرعها في مزرعة، وليست عملية تجميع جُلبت أجزاؤها بالعملة الأجنبية، وربما بدينٍ تُحسب عليه فوائد!
تسنّم الرجل نفسه وزارة الداخلية، فأصدر القرار ذاته: «سيارة لكل ضابط»، ولكن بضوابط للرتب؛ فمنها ما يُمنح سيارة بلوحة بيضاء يستخدمها كيف يشاء وكأنها ملك خاص ولسنوات محددة تُملّك له بعدها ويُعطى أخرى جديدة، والضباط برتب أقل يُمنحون سيارات بلوحات حكومية وقودها وقطع غيارها من الخزينة العامة، أو من ذلك البند السيئ: «مواردنا الذاتية».
يا ترى، كم عدد الضباط في السودان من جيش وشرطة؟ دعك من السودان ككل، كم عدد الضباط في العاصمة المثلثة وحدها؟
كل خمسة وأربعين ضابطاً كانوا يُنقلون ببص واحد، أصبح بدلاً من هذه البص (45) سيارة في شوارع الخرطوم! ولكل سيارة خزان وقود، ولكل سيارة 4 إطارات، وعدد من قطع الغيار لا يعلمه إلا الله والشركات المحتكِرة. وكل هذا من الخزينة العامة أو من المال العام، الذي لو وُظّف للزراعة لأصبح السودان دولة عظمى، ولو وُظّف للتعليم لأصبح السودان قبلةً كماليزيا!
أرى من يقول لي: «تتحدث عن سيارات الضباط، أما رأيت سيارات الدستوريين؟».
أما هذه فكارثة كبرى! سيارات الدستوريين من طراز «لاندكروزر» باهظة الثمن (يقال إن سعر السيارة منها الآن بالترليون)، أما وقودها فبالبرميل؛ إذ تحوي كل واحدة منها خزانين بسعة برميل بالتمام والكمال! وعندما يخرج الدستوري لأي مهمة من المهام التي لم يسبقهم إليها أحد — كمخاطبة حشد أو افتتاح كشك — يخرج معه سرب من الفارهات ذات الدفع الرباعي. وليس سرب والي القضارف الذي ملأ الأسافير ببعيد، أما من الماضي فقد عددتُ 34 سيارة في موكبٍ لدستوريٍّ واحد!
يا سيادة المراجع العام، أخرج علينا اليوم وليس غداً بإحصائية لسيارات الحكومة وما تنفقه الخزينة العامة عليها من شراء ووقود وصيانة في الشهر الواحد، ليرى الشعب من أفقره، وليعلم لماذا يريد كل عاطل أن يصبح سياسياً ليستمتع بدم الغلابة!
الضباط والدستوريون مجرد مثال، لكن هذا البند الذي اسمه «سيارة الحكومة» يحتاج إلى مراجعة ودراسة تخرج بحلول تشبه فقر الشعب السوداني الذي خرج من الحرب، نسأل الله أن يتم النصر.
كل «قومة النفس» هذه لأن في الأخبار أن شركة «جياد» للسيارات بدأت في تصنيع السيارات الكهربائية، وغداً ستتهافت عليها مؤسسات الدولة لتشتريها من المال العام، فتمتلئ بها شوارع الخرطوم وهي غير منتجة وأقرب إلى الرفاهية. لماذا لا تُنصح شركة «جياد» بصناعة حافلات للنقل العام ولنقل الموظفين حتى لا يتكرر الخطأ السابق؟ لقد أصبحت الحلول الفردية باهظة التكاليف على الأفراد، وعبئاً على الدولة إلى أن عجزت عن توفير الوقود لها.
نحن في حاجة إلى قدوة زاهدة تأمر من تحتها بالزهد، وتتقبل النصح.