ثقافة وفنون

مأمون سوار الدهب.. بين النقد الموسيقي وضجيج السوشيال ميديا

الاحداث:ماجدة حسن
ثلاثة موسيقيين وفنانين يقرأون تجربة تونس.. بين طبيعة العرض الأوركسترالي، خصوصية الصوت السوداني وملاحظات الإيقاع والأداء
لم يكن ظهور الفنان السوداني مأمون سوار الدهب في تونس مجرد مشاركة غنائية عابرة، فقد جاء ضمن عرض موسيقي أوركسترالي قُدّم في ختام الدورة السادسة والعشرين للمهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون، بمشاركة ستة أصوات عربية وبقيادة المايسترو التونسي راسم دمق. وهو ما أعاد النقاش حول التجربة إلى سؤال أكثر تعقيداً من مجرد «أجاد أم لم يجد»: كيف يُقرأ أداء فنان سوداني داخل معالجة أوركسترالية تعيد صياغة الموروث الغنائي العربي؟
ومع اتساع مساحة الانتقاد على مواقع التواصل الاجتماعي، برزت ثلاث قراءات فنية حاولت تفكيك التجربة من زوايا مختلفة؛ الأولى أكاديمية موسيقية قدمها د. وليد الجاك، والثانية للفنان عبدالله قباني ركزت على طبيعة العرض وسياقه، فيما تناول الفنان هشام كمال جوانب تقنية محددة في الإيقاع والأداء.
وليد الجاك: لا تحاكموا الصوت خارج سياقه
يرى د. وليد الجاك، العازف وأستاذ الموسيقى بكلية الموسيقى والدراما، أن جانباً من الجدل حول مأمون سوار الدهب يعكس مشكلة أوسع في الخطاب الفني، تتمثل في إصدار أحكام موسيقية دون امتلاك أدواتها المعرفية، قبل أن تتحول الملاحظات إلى سخرية وتنمر.
ويضع الجاك صوت سوار الدهب ضمن تقاليد الغناء الشعبي السوداني، مشيراً إلى أن تقييمه ينبغي أن يتم داخل المدرسة الغنائية التي ينتمي إليها، لا بمعايير منفصلة عن سياقه. كما يرى أن العمل الذي قدمه يقوم على بناء لحني دائري بسيط يعتمد على التكرار واللازمة والاستقرار، وهي سمات معروفة في بعض أنماط الغناء الشعبي.
ويتوقف الجاك كذلك عند المعالجة الموسيقية، معتبراً أنها قامت على التنويع والارتجال انطلاقاً من الجملة الأساسية، بما أتاح للآلات مساحة للحوار مع الصوت والكورس، ورأى في تجربة المايسترو التونسي راسم دمق نموذجاً لتفاعل موسيقي بين بيئتين مختلفتين.
عبدالله قباني: المشكلة في قراءة العرض
من جهته، يركز الفنان عبدالله قباني على السياق الذي ظهرت فيه المشاركة، معتبراً أن جزءاً من الانتقادات تجاهل طبيعة العرض نفسه. ويشير إلى أن مأمون لم يشارك في سهرة غنائية تقليدية، وإنما كان ضمن عرض أوركسترالي قُدم في مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في تونس، بقيادة راسم دمق ومصاحبة أوركسترا كبيرة.
والعرض «سافر إليك وغنّ»، من تصور وتأليف الموسيقار التونسي كريم الثليبي، قدم معالجة موسيقية معاصرة تنطلق من جماليات الموال والموروث الغنائي العربي وتعيد صياغته في قالب أوركسترالي، وشارك فيه إلى جانب سوار الدهب كل من حنين الشاطر من مصر، ويعقوب شاهين من فلسطين، وفراس فايز من سلطنة عُمان، وكسيلة أجراد من الجزائر، وعبدالله طارق من الكويت.
وبالنسبة إلى قباني، فإن فهم هذا السياق ضروري قبل تقييم تجربة سوار الدهب، باعتبار أن الأداء كان جزءاً من رؤية موسيقية جماعية يقودها مايسترو واحد وتشارك فيها أصوات عربية متعددة.
هشام كمال: ملاحظات فنية لا تنتقص من التجربة
أما الفنان هشام كمال، فاختار الاقتراب من التجربة من زاوية تقنية، معتبراً المشاركة «خطوة ممتازة إلى الأمام»، لكنه سجل ملاحظتين تتصلان بالإيقاع والأداء.
وأوضح أن سرعة الإيقاع «التمبو» كانت أعلى قليلاً مما يناسب خصوصية الإيقاع، ورأى أن توضيح طبيعة الإيقاع للموزع الموسيقي كان يمكن أن يمنح المعالجة مساحة أكبر من الإحكام، مشيراً إلى أن التوزيع تعامل معه باعتباره إيقاعاً ثنائياً.
وفي الجانب الصوتي، لاحظ كمال أن سوار الدهب حاول في نهايات الجمل الانتقال إلى درجة ثالثة من الصوت الأصلي، إلا أن سرعة الإيقاع لم تساعده، الأمر الذي جعل بعض النهايات أقل تأكيداً من الناحية الأدائية.
بين الآراء الثلاثة، تظل المسألة أكبر من أداء واحد
اللافت في القراءات الثلاث أنها لا تتعامل مع المشاركة من زاوية واحدة؛ فبينما ينطلق الجاك من طبيعة الصوت والبناء اللحني والمعالجة الموسيقية، يضع قباني الأداء داخل سياقه الأوركسترالي العربي، فيما يذهب كمال مباشرة إلى التفاصيل التقنية المتعلقة بالإيقاع والأداء.
وتكتسب هذه النقاشات أهميتها من أن مهرجان هذا العام جمع بين الإنتاج الإعلامي والفني العربي، واختتم فعالياته بعرض موسيقي أوركسترالي شاركت فيه أصوات من ست دول عربية، قبل إسدال الستار على الدورة السادسة والعشرين في 24 سبتمبر الجاري.
وهنا يصبح الفرق بين النقد الموسيقي والحكم على الفنان جوهر النقاش. فالملاحظة التي تحدد موضع الخلل في الإيقاع أو الضبط أو المعالجة تفتح باباً للتطوير، بينما اختزال تجربة فنان شاب في السخرية لا يضيف إلى المشهد معرفة موسيقية.
وفي حالة مأمون سوار الدهب، تكشف المشاركة التونسية عن تجربة قابلة للنقاش والتحليل، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالاً أوسع حول حاجة الفنان السوداني الشاب إلى النقد المتخصص والمؤسسات التي تمنحه التدريب والتوجيه، بدلاً من ترك الحكم على تجربته بالكامل لردود الفعل السريعة في فضاء التواصل الاجتماعي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى