تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الخميس تستحق قراءة تتجاوز عباراتها المباشرة.
فالوزير لم يقل فقط إن الحرب السودانية كارثية أو إن الطرفين لا يلتزمان بالاتفاقات. الجديد أنه وضع التدخل الخارجي في قلب تفسير واشنطن لاستمرار الحرب.
هذا التحول مهم لأن الجهود الدبلوماسية السابقة ركزت أساساً على إقناع الجيش والدعم السريع بوقف إطلاق النار.
لكن إذا كان كل طرف يحصل على المال والسلاح والدعم السياسي من الخارج، فإن قدرته على مواصلة الحرب لا تعتمد فقط على حساباته الداخلية.
وهذا ما عبر عنه روبيو عندما قال، في جوهر حديثه، إن الاتفاقات تنهار عندما يعتقد أحد الطرفين أنه يستطيع تحسين موقعه عسكرياً.
من يضغط على من؟
المعضلة التي تواجه الوساطة الأميركية واضحة.
يمكن لواشنطن أن تتفاوض مع السودانيين، لكن نجاح الاتفاق يحتاج إلى أن تستخدم القوى الإقليمية نفوذها على حلفائها.
روبيو تجنب تسمية الدول.
وهذا التجنب نفسه يحمل دلالة دبلوماسية: الولايات المتحدة تريد الضغط على الأطراف الخارجية من دون تفجير علاقاتها معها.
المسار الإنساني أولاً
الجزء الآخر المهم في تصريحاته هو ترتيب الأولويات.
بدلاً من محاولة الوصول مباشرة إلى تسوية سياسية شاملة، تحدث الوزير الأميركي عن هدف أقرب: فتح الممرات الإنسانية وتأمين وصول المساعدات.
الفكرة أن تحقيق اختراق محدود وقابل للقياس قد يبني الثقة اللازمة لخطوات أكبر.
لكن التجربة السودانية منذ جدة تظهر أن المشكلة لم تكن دائماً في صياغة الالتزامات، وإنما في تنفيذها.
الخلاف حول الشرعية
في الوقت نفسه ظهر خلاف أكثر عمقاً بين الخرطوم وواشنطن.
الحكومة السودانية رفضت موقفاً أميركياً يضع شرعية المؤسسات القائمة موضع سؤال، وقالت إن أي مسار سياسي لا ينبغي أن يمنح الدعم السريع شرعية ناتجة عن السيطرة العسكرية على الأراضي.
وهكذا أصبحت المفاوضات تدور حول مستويين:
الأول: كيف تتوقف الحرب؟
والثاني، وهو ربما الأصعب: من يمثل الدولة أثناء عملية إنهائها؟
وهو خلاف جوهري لأن الطريقة التي تُعرّف بها الأطراف في بداية المفاوضات تحدد إلى حد كبير شكل النظام الذي يمكن أن ينتج عنها.