تقارير

الناتو في عصر الشك.. هل تدفع ضغوط ترامب أوروبا إلى بناء جيشها بعيداً عن أمريكا؟

لم تعد أزمة حلف شمال الأطلسي تدور فقط حول السؤال التقليدي: كم تنفق أوروبا على الدفاع؟ التحقيق الموسع الذي نشرته رويترز في 17 سبتمبر يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل أدت الضغوط الأمريكية على الحلفاء إلى تقوية الناتو مالياً، لكنها في الوقت نفسه أضعفت الثقة السياسية التي يقوم عليها الحلف؟

المفارقة هي جوهر القصة. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغط على الأوروبيين لرفع إنفاقهم العسكري، ونجح بالفعل في دفع دول عديدة إلى تخصيص موارد غير مسبوقة للدفاع. لكن الخطاب الأمريكي المتشكك في قيمة التحالف، واحتمال خفض الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، جعلا الحكومات الأوروبية تتساءل عما إذا كانت تستطيع الاستمرار في بناء أمنها على افتراض أن الولايات المتحدة ستكون موجودة دائماً.

أجرت رويترز مقابلات مع أكثر من عشرين مسؤولاً ودبلوماسياً وخبيراً، وخلصت إلى صورة مركبة: الولايات المتحدة لا تنسحب من أوروبا ببساطة. فهي ما تزال تستثمر في بنية عسكرية مهمة، ومن أبرز الأمثلة توسيع قاعدة ميهايل كوغالنيشينو الجوية في رومانيا، التي تزداد أهميتها بسبب قربها من البحر الأسود وأوكرانيا.

لكن بالتوازي مع ذلك، أجرت وزارة الدفاع الأمريكية مراجعة استمرت ستة أشهر للوجود العسكري والتحالفات، ما عمّق الشكوك بشأن شكل الالتزام الأمريكي مستقبلاً.

وهذا الغموض يغير القرارات الأوروبية بالفعل.

فدول مثل ألمانيا وبولندا وكندا بدأت تنظر بصورة أكثر جدية إلى تنويع مشترياتها الدفاعية وعدم الاعتماد الكامل على التكنولوجيا والسلاح الأمريكيين. القضية هنا ليست تجارية فقط؛ فشراء السلاح لعقود يعني اختيار شبكة من الصيانة والذخائر والتدريب والبرمجيات، أي اختيار علاقة استراتيجية طويلة الأجل.

الحرب الأوكرانية سرعت هذا التحول. فقد كشفت الحرب نقص مخزونات الذخيرة الأوروبية وضعف الدفاع الجوي وعدم استعداد الصناعات العسكرية لحرب استنزاف طويلة.

والدرس الأوروبي أصبح واضحاً: القوة العسكرية لا تُقاس بعدد الدبابات والطائرات الموجودة على الورق، وإنما بالقدرة الصناعية على تعويض ما يُستهلك في الحرب.

لكن بناء استقلال دفاعي أوروبي يواجه عقبة ضخمة. أوروبا ليست دولة واحدة. لكل بلد ميزانيته وصناعته العسكرية وأولوياته السياسية. فرنسا تتحدث منذ سنوات عن «الاستقلال الاستراتيجي»، بينما اعتمدت دول شرق أوروبا تاريخياً بصورة أكبر على المظلة الأمريكية لأنها ترى روسيا تهديداً مباشراً.

لهذا قد يكون السيناريو الأكثر واقعية ليس «جيشاً أوروبياً» يحل محل الناتو، وإنما ناتو أكثر أوروبية: إنفاق أكبر، صناعات عسكرية أقوى، مخزونات ذخيرة أضخم، واعتماد أقل على الولايات المتحدة في بعض المجالات.

وهنا تظهر مفارقة ترامب: الضغط الذي كان هدفه إجبار أوروبا على تحمل نصيب أكبر من تكاليف الدفاع قد ينجح إلى درجة تدفعها إلى بناء قدرة تسمح لها مستقبلاً باتخاذ قرارات أمنية أكثر استقلالاً عن واشنطن.

لكن الاستقلال له ثمن.

الولايات المتحدة توفر قدرات يصعب تعويضها سريعاً: الأقمار الاصطناعية، الاستخبارات، النقل الاستراتيجي، القيادة والسيطرة، الدفاع الصاروخي والردع النووي.

لذلك فإن أي انسحاب أمريكي سريع سيترك فجوة لا تستطيع أوروبا سدها خلال سنوات قليلة.

الخلاصة: تحقيق رويترز يكشف أن السؤال الحقيقي لم يعد هل ينفق الأوروبيون أكثر، فقد بدأوا يفعلون ذلك بالفعل. السؤال هو لماذا ينفقون؟ هل لتعزيز التحالف مع أمريكا، أم للاستعداد ليوم قد لا يستطيعون فيه الاعتماد عليها؟ الفرق بين الإجابتين قد يحدد مستقبل الناتو لعقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى