رأي

نقطة التوازن ما بين الفعل ورد الفعل

بقلم: د. أمجد عمر محمد
في الحياة، لا تحدث الأشياء منفردة ؛ فكل فعل يستدعي رد فعل، وكل موقف يترك أثرًا، وكل كلمة قد تفتح بابًا أو تغلق آخر. لكن الفرق بين إنسان وآخر لا يكمن دائمًا في ما يحدث له، وإنما في المسافة التي يتركها بين ما حدث له وبين الطريقة التي يختارها ليتعامل بها .
هناك مسافة قصيرة جدًا بين الفعل ورد الفعل، لكنها قد تفصل بين الحكمة والندم ، وبين القوة والاندفاع ، وبين أن تكون صاحب قرار أو مجرد رد فعل لما يفعله الآخرون. إنها مساحة صغيرة في الزمن، لكنها واسعة في نتائجها ؛ ففيها تتشكل القرارات ، وينكشف مقدار ما نملكه من صبر وضبط وهدوء واتزان.
تلك المسافة هي نقطة التوازن.
فيها تستطيع أن تتوقف قليلًا قبل أن تجيب، وأن تفكر قبل أن تغضب ، وأن تزن قبل أن تحكم ، وأن تسأل نفسك: هل ما سأفعله الآن هو ما أريده حقًا ، أم أنه مجرد رد فعل على ما فعله الآخرون بي؟
كثير من الأخطاء لا تبدأ من سوء النية ، وإنما من غياب هذه المسافة . قد يتعرض الإنسان لكلمة جارحة ، فيرد بأقسى منها ، ثم تتسع الدائرة حتى تتحول كلمة إلى خصومة ، والخصومة إلى قطيعة، وربما يصبح الطرفان بعد سنوات عاجزين عن تذكر السبب الأول للخلاف .
وقد يتعرض شخص للظلم ، فيدفعه غضبه إلى ظلم آخر ، فيتحول من صاحب حق إلى طرف في ظلم جديد . هنا تكمن خطورة ردود الأفعال غير المحسوبة ؛ فهي تمنح الآخرين قدرة على التحكم فينا دون أن نشعر . يكفي أن يستفزك شخص حتى يحدد لك ماذا تقول وكيف تتصرف.
الهدوء هنا ليس ضعفًا، كما أن الصمت ليس دائمًا عجزًا. أحيانًا يكون الهدوء أقوى من الرد، لأن الإنسان الهادئ لا يسمح للحظة عابرة أن تقرر مصير حياة طويلة .
ليس المطلوب أن نقبل الظلم ، ولا أن نتنازل عن حقوقنا ، ولا أن نهرب من المواجهة. الحق يحتاج إلى شجاعة ، لكن الشجاعة لا تعني الاندفاع. قد تكون شجاعتك الحقيقية في أن تقول الحق دون إساءة، وأن تدافع عن نفسك دون ظلم ، وأن ترفض دون أن تهين ، وأن تختلف دون أن تحول الاختلاف إلى عداوة.
فالحق والخوف لا يجتمعان ، لكن الحق أيضًا لا يحتاج إلى غضب أعمى . من يمضي إلى الحق يجب ألا يخاف ، لكنه يحتاج إلى أن يعرف كيف يمضي إليه. فالخوف أنواع ؛ هناك خوف يحميك من الخطأ ، وخوف يمنعك من قول الحق ، وخوف يجعلك تحسب العواقب ، وخوف يشل إرادتك. الحكمة ليست في التخلص من الخوف كله ، وإنما في ألا تسمح للخوف الذي لا ينبغي أن يحكمك بأن يقود قراراتك.
الخوف الصحي يشبه جرس الإنذار ؛ ينبهك إلى الخطر، لكنه لا ينبغي أن يمسك بالمقود. أما الخوف الذي يمنعك من الحق ، أو يجعلك تتنازل عن قناعاتك ، فهو يتحول من حماية إلى قيد.
كذلك فإن الانتصار لا يعني دائمًا أن ترد على كل إساءة أو أن تثبت أنك الأقوى . أحيانًا يكون الانتصار الحقيقي أن تحافظ على نفسك من أن تصبح نسخة من الشخص الذي أساء إليك.
إذا ظلمك أحد ، فلا تجعل ظلمه يعلمك الظلم . وإذا أساء إليك ، فلا تجعل إساءته تسلب منك أخلاقك. وإذا حاول استفزازك ، فلا تمنحه شرف أن يختار لك ردك.
وهنا تظهر قيمة نقطة التوازن ؛ فهي ليست لحظة فراغ ، وإنما مساحة تحتاج إلى عمل داخلي: أن تهدأ ، ثم تفكر ، ثم تزن ، ثم تختار . أن تسأل: ما هدفي؟ وما أفضل وسيلة للوصول إليه؟ وما النتائج المحتملة؟ وهل أستطيع تحقيق حقي دون أن أصنع ظلمًا جديدًا؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تحد كثير من الخسائر.
فالإنسان المتزن لا يترك الآخرين يكتبون ردود أفعاله نيابة عنه. قد يغضب ، لكنه لا يسمح لغضبه أن يقوده. قد يحزن ، لكنه لا يتخذ قرارات مصيرية في ذروة حزنه. قد يخاف، لكنه لا يجعل الخوف سيد الموقف.
كم من قرار اتخذناه ونحن غاضبون، ثم تمنينا لو أننا انتظرنا ساعة واحدة فقط! وكم من كلمة قلناها في لحظة انفعال، ثم اكتشفنا أن الاعتذار عنها لا يعيد أثرها إلى الوراء! وكم من علاقة انتهت لأن أحد الطرفين أراد أن ينتصر في لحظة ، ولم ينتبه إلى أنه قد يخسر إنسانًا كان يمكن أن يبقى معه العمر كله!
لهذا فإن النضج لا يعني ألا نتأثر، وإنما يعني ألا نسمح لتأثرنا بأن يصادر وعينا.
وفي العلاقات الإنسانية نحتاج إلى هذه المسافة أكثر من أي وقت مضى . ليس كل ما نسمعه يحتاج إلى رد ، وليس كل ما نفهمه يحتاج إلى مواجهة ، وليس كل اختلاف يستحق معركة . هناك أشياء يحلها الحوار ، وأشياء يحلها الوقت ، وأشياء يحلها التجاوز ، أشياء اخري لا يحلها إلا أن تضع لها حدًا واضحًا وتمضي.
المهم أن يكون القرار نابعًا من وعي ، لا من انفعال.
حتى في النجاح والعمل والحياة العامة، تبقى نقطة التوازن ضرورية . الإنسان الذي يريد تحقيق أهدافه لا يستطيع أن يعيش أسيرًا لردود أفعال الآخرين . إن مدحه الناس لا يطير فرحًا ، وإن انتقدوه لا ينهار ، وإن عارضوه لا يغير مبادئه كل مرة ، وإن نجح غيره لا يعتبر نجاح الآخرين تهديدًا له.
النجاح يحتاج إلى هدوء يشبه هدوء من يعرف إلى أين يمضي.
كما أن تحقيق الأهداف لا يكون دائمًا بالقوة ذاتها أو بالطريقة ذاتها. قد يبقى المبدأ ثابتًا بينما تتغير الوسيلة. قد تتنازل عن توقيت أو أسلوب أو تفصيل، حتى تحافظ على الهدف الأكبر. فليس كل تراجع هزيمة، وليس كل إصرار انتصارًا.
المهم ألا يتحول التنازل عن الوسيلة إلى تنازل عن المبدأ، وألا يتحول الصبر إلى خوف، والحكمة إلى تردد ، والشجاعة إلى تهور.
هذه هي الموازنة التي يحتاجها الإنسان: أن يكون شجاعًا دون تهور، هادئًا دون ضعف، صبورًا دون استسلام، حازمًا دون قسوة، ومتسامحًا دون أن يسمح لأحد بتجاوز حدوده.
وقد تكون أعظم حكمة أن ندرك أن ليس كل معركة تستحق أن نخوضها ، وليس كل استفزاز يستحق أن نجيبه ، وليس كل خسارة تعني أننا خسرنا ، وليس كل تأخير يعني أن الطريق قد أغلق.
أحيانًا يؤخر الله عنك شيئًا لأن توقيته لم يحن، وأحيانًا يصرف عنك أمرًا لأنك لا ترى ما وراءه، وأحيانًا يضعك في موقف صعب ليعيد ترتيب داخلك قبل أن يفتح لك بابًا أكبر.
لذلك علينا أن نؤمن بأن الحياة ليست سلسلة من الأحداث التي تحدث عبثًا ، وإنما أقدار تجري في ملك الله ، ونحن لا نملك كل تفاصيلها ، لكننا نملك طريقة تعاملنا معها.
نحن نختار الفعل ونختار الرد، ونحاسب على نياتنا وأعمالنا، لكننا لا نملك النتائج كاملة. قد نبذل أقصى ما نستطيع ثم تأتي النتيجة مختلفة عما أردنا ، وقد نظن أن بابًا أُغلق في وجهنا ثم نكتشف بعد سنوات أنه كان حماية لنا.
وهنا تكتمل نقطة التوازن: أن نأخذ بالأسباب دون أن نعبد الأسباب ، وأن نخطط دون أن نظن أن الخطة تملك المستقبل ، وأن نسعى إلى الحق دون أن نفقد يقيننا بالله.
افعل ما تستطيع، واضبط ما تستطيع ، وخذ بالأسباب ، وقل الحق ، ودافع عن حقك ، واختر الوسيلة التي لا تظلم بها أحدًا، ثم اترك لله ما لا تملك.
قد لا تعرف لماذا حدث الأمر الآن، ولا لماذا لم يحدث كما أردت، ولا لماذا جاءك شيء بعد طول انتظار، لكن عليك أن تؤمن إيمانًا قاطعًا بأن الله يقدر الأقدار على قدر، ويضع لكل شيء توقيته ومقداره ومآله.
قد تكون الحياة أحيانًا مثل طريق طويل في ليل لا نرى آخره؛ يكفينا أن نحمل مصباحًا صغيرًا يضيء الخطوة التي أمامنا، لا أن نطالب بالنور كي يكشف لنا الطريق كله. علينا أن نسعى في حدود ما نرى، ونثق بمن يرى ما لا نرى.
لذلك لا تجعل ما يحدث لك يدفعك إلى فقدان اتزانك، ولا تجعل تأخر ما تريد يسرق منك يقينك، ولا تجعل ظلم الآخرين يجعلك تظلم نفسك أو غيرك.
خذ المسافة بين الفعل ورد الفعل.
اهدأ فيها، فكر، اضبط نفسك، زن الأمور، ثم افعل ما يمليه عليك الحق والضمير والحكمة.
أما النتائج، فاتركها لمن بيده كل شيء.
فالحكمة ليست أن تملك السيطرة على كل ما يحدث، بل أن تملك نفسك حين يحدث ما لا تستطيع السيطرة عليه.
وبين الفعل ورد الفعل نقطة توازن؛ فيها يتوقف الإنسان قليلًا ليختار، وفي الاختيار تظهر حكمته، وفي التسليم لله تكتمل طمأنينته. نحن نسعى، ونأخذ بالأسباب، ونفعل ما نستطيع، ثم نطمئن؛ لأن الله يقدر الأقدار على قدر، وما كان لنا سيأتينا، وما لم يكن لنا فلن يكون، وفي تدبير الله دائمًا ما يفوق ما نراه بأعيننا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى