ثقافة وفنون

الهرم الأكبر.. حين تكشف التكنولوجيا بعض أسراره وتعيد العلم فتح الأسئلة

لا يزال الهرم الأكبر في الجيزة يختزن من الأسرار ما يكفي لإبقاء العلماء أمام أسئلة مفتوحة، فبعد أكثر من أربعة آلاف عام على تشييده، لم تتوقف محاولات قراءة ما تخفيه كتل الحجر الضخمة من ممرات وفراغات وبنى داخلية. ومؤخرًا عاد الجدل العلمي حول هذه الأسرار إلى الواجهة، لكن هذه المرة من بوابة دراسة أثارت اهتمامًا واسعًا قبل أن تُسحب من الدورية العلمية التي نشرتها.

الدراسة، التي نُشرت عام 2022 في دورية «Remote Sensing»، حاولت استخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد والرادار وبيانات الأقمار الصناعية لرسم تصور للبنية الداخلية للهرم الأكبر. وطرحت نتائجها فرضيات بشأن وجود تراكيب وممرات مخفية، الأمر الذي جذب اهتمامًا كبيرًا من وسائل الإعلام والجمهور المهتم بالحضارة المصرية القديمة.

غير أن الدورية قررت سحب الدراسة رسميًا في أغسطس 2026، بعد مراجعة علمية أظهرت مشكلات تتعلق بالمنهجية والتحليل الإحصائي المستخدمين في البحث. وبذلك لم تعد النتائج التي قدمتها الدراسة تصلح بوصفها دليلًا علميًا على وجود الهياكل التي اقترحتها.

لكن سحب هذه الدراسة لا يلغي الاكتشافات التي توصل إليها باحثون آخرون باستخدام تقنيات مستقلة. ففي عام 2017، أعلن مشروع «ScanPyramids» اكتشاف فراغ ضخم داخل الهرم، أُطلق عليه لاحقًا اسم «الفراغ الكبير». وتم التوصل إليه بواسطة تقنية تصوير تعتمد على جسيمات الميون الناتجة عن الأشعة الكونية، وهي جسيمات تستطيع اختراق الصخور والكتل الحجرية، ما يسمح للباحثين برصد الاختلافات في الكثافة من دون الحفر أو إتلاف البناء.

ويبلغ طول الفراغ المكتشف ما لا يقل عن 30 مترًا، ويقع فوق «الممر الكبير» داخل الهرم، إلا أن وظيفته لا تزال مجهولة. ولا يعرف العلماء حتى الآن ما إذا كان قد صُمم كجزء من عملية البناء، أم كان له دور هندسي محدد، أم أنه ترك فراغًا لأسباب لم تُفهم بعد.

ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد؛ إذ كشفت دراسات لاحقة عن ممر مخفي خلف الواجهة الشمالية للهرم، باستخدام تقنيات غير تدميرية تعتمد كذلك على الميونات. وقد فتح ذلك الباب أمام احتمال وجود أجزاء أخرى من البنية الداخلية لم تُكتشف بعد.

وهنا تكمن المفارقة: فالتكنولوجيا الحديثة استطاعت أن ترى ما لا تستطيع العين الوصول إليه، لكنها لم تستطع حتى الآن أن تجيب عن كل الأسئلة التي يطرحها الهرم الأكبر. أما سحب دراسة لا تستوفي المعايير العلمية، فيذكّر بأن غموض الأثر لا يمنح الفرضيات حصانة من النقد؛ فبين ما نراه في الحجر، وما نستنتجه من البيانات، مسافة لا يقطعها إلا الدليل.

ويبقى الهرم الأكبر، رغم كل ما كُشف من أسراره، شاهدًا على أن بعض أعظم الألغاز لا تحتاج إلى أن تكون خرافية حتى تدهشنا؛ يكفي أن يكون العلم نفسه ما زال يبحث عن مفتاحها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى