كيف هبطت صادرات النفط الإيرانية إلى أدنى مستوياتها وبدأت طهران تفقد أهم شريان مالي لها؟
بعد سنوات من العقوبات الأميركية التي تعلمت إيران تدريجياً كيفية الالتفاف عليها، تكشف بيانات جديدة نشرتها رويترز في 1 سبتمبر عن تحول أكثر خطورة: المشكلة لم تعد في قدرة إيران على العثور على مشترين، وإنما في قدرتها على إخراج النفط من موانئها أصلاً.
فإيران أمضت نحو سبعة أسابيع من دون تصدير كميات كبيرة من الخام، وهي فترة غير مسبوقة، بعدما أدى الحصار البحري المرتبط بالحرب إلى تعطيل حركة الناقلات عبر الخليج ومضيق هرمز. وكانت صادرات النفط والمكثفات الإيرانية قد بلغت نحو مليوني برميل يومياً في مارس، لكنها هبطت في أغسطس إلى نطاق يقدر بنحو 220 إلى 255 ألف برميل يومياً. (Reuters)
الفرق بين العقوبات والحصار جوهري. العقوبات المالية تحاول منع المشتري من الدفع أو التعامل مع البائع؛ أما الحصار الفعلي فيمنع السلعة نفسها من الوصول إلى السوق.
وطوال سنوات العقوبات، بنت إيران شبكة معقدة من الناقلات والوسطاء والشركات الوهمية وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى، واستفادت خصوصاً من الطلب الصيني. وكانت قادرة على بيع النفط بخصومات وتغيير وثائق الشحن وإخفاء مسارات الناقلات.
لكن تلك الشبكة تصبح أقل فائدة عندما تتوقف حركة السفن.
وتظهر بيانات حركة الملاحة في الوقت نفسه أن عدد ناقلات السلع العابرة لمضيق هرمز ظل في خانة الآحاد، وهو بعيد جداً عن مستويات الحركة الطبيعية. وهذا يفسر لماذا أصبحت الأزمة الإيرانية أزمة تدفق مادي للطاقة، لا مجرد أزمة عقوبات مالية. (Reuters)
وتواجه طهران مشكلة ثانية هي التخزين. فحين لا يمكن تصدير الخام، يتراكم في الخزانات وعلى الناقلات العائمة. وعندما تمتلئ السعات التخزينية، تضطر شركات النفط إلى خفض الإنتاج لأن الحقول لا تستطيع الاستمرار في الضخ بلا منفذ.
وهنا تتحول الأزمة من أزمة صادرات إلى أزمة إنتاج.
ولذلك فإن حجم الضرر لا يقاس فقط بعدد البراميل التي لم تبع في أغسطس؛ فإذا طال الاختناق، يمكن أن تتضرر دورة الإنتاج والاستثمار والصيانة، ويصبح استعادة مستويات التصدير السابقة أصعب حتى بعد فتح الممرات البحرية.
الأثر المالي كبير أيضاً. فحتى بافتراض سعر نفط مرتفع بسبب الحرب، فإن فقدان أكثر من مليون برميل يومياً من الصادرات يعني حرمان الدولة الإيرانية من مليارات الدولارات شهرياً من الإيرادات المحتملة.
وتكتسب هذه الأموال أهمية استثنائية لطهران لأنها تستخدم عائدات الطاقة في تمويل الموازنة، وتوفير النقد الأجنبي، ودعم العملة، واستيراد الغذاء والدواء والمدخلات الصناعية، فضلاً عن الإنفاق العسكري.
لكن المفارقة أن الضغط على إيران يرفع أسعار النفط العالمية. فقد ارتفع الخام بأكثر من أربعة دولارات للبرميل في 1 سبتمبر مع تجدد القتال الأميركي–الإيراني، ما يعني أن انخفاض الكميات الإيرانية يدفع بقية المنتجين إلى الحصول على أسعار أعلى. (Reuters)
وهذه إحدى المعضلات القديمة في استخدام النفط كسلاح: النجاح في خنق المصدر قد يؤدي إلى رفع سعر السلعة التي يحاول العالم حماية إمداداتها.
المسألة الثالثة هي الصين. فقد كانت بكين المستهلك الرئيسي للخام الإيراني، واستفادت من الأسعار المخفضة. وبالتالي فإن استمرار تعطل الإمدادات يدفع المصافي الصينية إلى البحث عن بدائل من روسيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، بما يعيد رسم تدفقات النفط العالمية.
الخلاصة: ما يجري يمثل انتقالاً من حرب العقوبات إلى حرب القدرة على التصدير. وإذا استمر الانخفاض أشهراً وليس أسابيع، فقد يكون الضغط على الاقتصاد الإيراني أشد مما حققته سنوات من العقوبات الأميركية.
لماذا يهم؟
لأن قدرة إيران على تمويل الحرب والاقتصاد تعتمد بدرجة كبيرة على النفط. وإذا أصبح الحصار البحري فعالاً ومستداماً، فإنه يضغط على طهران من نقطة ضعف يصعب الالتفاف عليها. لكن الثمن المقابل هو ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وزيادة خطر تحول هرمز إلى ساحة مواجهة دائمة