الاحداث:ماجدة حسن
استعاد الموسيقار د. الفاتح حسين جانباً من ذكرياته في روسيا، وتحديداً خلال رحلته الدراسية إلى موسكو في نوفمبر 1990، كاشفاً عن موقف إنساني جمعه بالفنان الراحل مصطفى سيد أحمد، وقال إنه كان سبباً مباشراً في تراجعه عن قرار العودة إلى السودان.
وأوضح د. الفاتح حسين، في تدوينة نشرها على صفحته بموقع «فيسبوك»، أنه غادر إلى روسيا في منحة دراسية من معهد الموسيقى والمسرح، الذي أصبح لاحقاً كلية الموسيقى والدراما، وكان في استقباله بمطار شيريميتيفو في موسكو د. عاصم الخليفة، أستاذ علم الموسيقى بالكلية وأحد أوائل المبعوثين إلى روسيا.
وأشار إلى أن عاصم الخليفة، بحكم السنوات التي قضاها في روسيا وإجادته اللغة الروسية، تولى مساعدته في استكمال الإجراءات المتعلقة بالدراسة والسكن، بدءاً من وزارة التربية في موسكو، وصولاً إلى تسجيله في أكاديمية روسيا الموسيقية.
«كنت أعيش عزلة كاملة»
وصف الفاتح حسين بداياته في موسكو بأنها كانت شديدة القسوة، إذ أقام في سكن الطلاب، في غرفة منفردة، دون أصدقاء ودون القدرة على التواصل باللغة الروسية، بالتزامن مع طقس شديد البرودة وصلت درجات الحرارة خلاله إلى نحو 20 درجة تحت الصفر.
وقال إن تلك الظروف دفعته إلى التفكير جدياً في العودة إلى السودان، الذي ظل حاضراً في ذاكرته بصورة يومية، مستعيداً أصدقاءه وتفاصيل حياته هناك، وفرقة «السمندل» التي تركها وهي في قمة نشاطها.
وبصفته مبعوثاً دراسياً، توجه إلى السفارة السودانية في موسكو لإبلاغ المستشار الثقافي بقراره العودة. غير أن المستشار، الذي اعتاد التعامل مع مثل هذه الحالات، حاول إقناعه بالاستمرار، واعتبر ما يمر به نوعاً من «الحنين إلى الوطن» (Home Sick)، طالباً منه الصبر والتحمل، لكن محاولاته لم تفلح في تغيير قرار الفاتح.
مصادفة غيّرت مسار الرحلة
وبينما كان الفاتح حسين داخل مكتب المستشار الثقافي، دخل شخصان يرتديان ملابس شتوية ثقيلة، ولم يتمكن في البداية من التعرف إليهما. وبعد خلع معاطفهما وملابس البرد، اكتشف أن أحدهما هو الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد، برفقة عوض حامد، الذي كان يدرس بقسم الدراما قبل أن يحصل على منحة للدراسة بمعهد السينما في موسكو.
ويقول الفاتح إنه كان يعلم بوجود مصطفى سيد أحمد في روسيا لتلقي العلاج وإجراء عملية في الكلى، لكنه لم يكن يعرف عنوان إقامته.
وسرعان ما تحولت المقابلة إلى جلسة استعادة للذكريات والحديث عن السودان، خاصة أن الفاتح كان قد عمل ضمن فرقة مصطفى سيد أحمد خلال فترة عمله معلماً في الحصاحيصا أواخر سبعينيات القرن الماضي، بمساعدة عازف الأكورديون آنذاك سعد الدين الطيب.
ويشير الفاتح إلى أن تلك الجلسة أنسته تماماً فكرة العودة إلى السودان، ليغادر السفارة برفقة مصطفى وعوض متوجهاً إلى شقة مصطفى في موسكو. ومن المفارقات التي أسعدته أن خط المترو الذي يستخدمه للوصول إلى الأكاديمية كان هو نفسه المؤدي إلى مكان إقامة مصطفى، بفارق أربع محطات فقط.
من الأكاديمية إلى شقة مصطفى
تحول منزل مصطفى سيد أحمد إلى محطة يومية للفـاتح حسين بعد انتهاء دراسته في الأكاديمية، وهناك تعرف إلى عدد من الطلاب السودانيين الذين كانوا يترددون على الفنان الراحل.
كما شهد خلال تلك الفترة جانباً من رحلة مصطفى العلاجية، ومن بينها زيارات الطبيب الروسي اليومية إلى شقته لإعطائه الحقن وتجهيزه للعملية الجراحية.
وفي إحدى المرات، وصل الفاتح إلى الشقة كعادته، فأخبرته زوجة مصطفى بأن الأطباء نقلوه في الليلة السابقة إلى المستشفى لإجراء العملية، وأعطته عنوان المستشفى.
توجه الفاتح سريعاً إلى هناك، ليجد مصطفى بعد العملية واقفاً أمام غرفته، لا يرتدي سوى بشكير، ويحدثه عن شعوره بثقل في موضع العملية.
«سمعت الأصداء بداخلي»
ومن أكثر التفاصيل التي بقيت عالقة في ذاكرة الفاتح حسين، ما رواه له مصطفى سيد أحمد عن تجربته أثناء العملية؛ إذ أخبره أنه، رغم خضوعه للتخدير الكامل، كان يسمع في داخله مقطوعة «الأصداء»، إحدى مؤلفات الفاتح حسين التي كان مصطفى معجباً بها.
ويختتم د. الفاتح حسين ذكرياته باستحضار الأثر الذي تركه ذلك اللقاء في مسيرته، قائلاً: «رحم الله مصطفى سيد أحمد وأسكنه الفردوس، ولولاه لعدت إلى السودان».
ونشر الفاتح حسين صورة تعود إلى عام 1991، التُقطت في شقة مصطفى سيد أحمد بموسكو خلال إحدى زياراته له، وتظهر من اليمين: د. الفاتح حسين، عبدالفتاح الزين، مصطفى سيد أحمد، وأحمد عبدالمنعم، الذي كان قد حضر إلى موسكو لعلاج والده، رحمه الله.
وتبقى هذه الذكرى واحدة من القصص التي تكشف جانباً من الحياة الاجتماعية والفنية للسودانيين في موسكو، كما توثق لعلاقة إنسانية وفنية جمعت بين اثنين من أبرز الأسماء في المشهد الموسيقي السوداني.