د. عبد الماجد هارون يكتب:
كلام من اتجاه واحد
د. عبد الماجد هارون
ان التسميات السياسية في فضاء العلاقات الدولية والصراعات المعاصرة ليست مجرد توصيف لغوي محايد لحدث طارئ انما هي قوالب ادراكية جاهزة ترسم من خلالها معالم الظاهرة المستهدفة بعناية لتحديد طريقة تفسيرها وتوجيه الخيارات المتاحة للتعامل معها دولياً واقليمياً ومن هذا المنطلق الاستراتيجي يكشف الفحص العلمي الصارم للخطاب الغربي الموجه نحو السودان عن اصرار ممنهج على تصنيف الحرب الحالية كحرب اهلية وهو تصنيف لا ينتمي الى حقيقة المعطيات الميدانية والسياسية بل يمثل احدى ابرز ادوات التضليل المفاهيمي المصنوعة لتوجيه الوعي الدولي وحجب الابعاد الحقيقية للصراع
ان تفكيك المفهوم علمياً في ادبيات العلوم السياسية يشترط لتعريف الحرب الاهلية نشوء صراع مسلح ينبثق اساساً من تناقضات بنيوية داخلية محضة بين مكونات المجتمع او السلطة في دولة واحدة تتساوى فيه الاطراف في الانتماء الوطني والمنطلق الاستراتيجي ولا تكون لاي منها صفة العدوان الخارجي او التبعية اللوجستية العابرة للحدود وعند مطابقة هذا التعريف المعياري على المشهد السوداني يتضح وجود انفصال هيكلي صارخ اذ يتم توظيف هذا المصطلح كغطاء سياسي لتحقيق وظائف محددة تخدم القوى المحركة خلف الستار ويمكن حصرها في ثلاثة محاور.
اولاً العمل على التحييد المنهجي للشرعية وتصفيتها اذ يسعى تصنيف الصراع كاهلي الى محو الفارق الجوهري بين مؤسسة الدولة الرسمية المدافعة عن السيادة والقوات النظامية وبين المليشيا المسلحة التي تعمل كاداة لتفكيك كيان الدولة هذا الدمج المتعمد يحول المواجهة من معركة وطنية لحفظ وحدة البلاد في مواجهة مشروع خارجي مقنن الى مجرد تناحر داخلي بين فصائل متساوية في الموقف القانوني والاخلاقي مما يسقط حق الدفاع عن السيادة ويساوي بين الدولة والمتمرد
ثانياً يمنح هذا المصطلح غطاء شرعياً للتدخل الخارجي السافر تحت لافتات انسانية او وساطات دولية وبموجب هذا الاطار التضليلي تشرعن العقوبات التي تستهدف قدرات الدولة الدفاعية بينما يمرر الدعم الموجه للمليشيا المسلحة تحت مزاعم فرض التوازن واستعادة الاستقرار
ثالثاً وهو المحور الاخطر حيث يتم فيه توظيف هذا التصنيف لاعادة تشكيل الوعي بطبيعة الازمة عبر نقل مركز النقاش من رصد التدخلات الخارجية المنظمة والتسليح الاقليمي العابر للحدود الى التركيز على الخلافات الداخلية وتضخيمها كقوة محركة وحيدة وفي هذا السياق المعرفي فان وجود عناصر سودانية ضمن صفوف المليشيا لا يغير مطلقا من التوصيف العلمي للعدوان تماما كما لم ينجح وجود مجموعات محلية مستقطبة انضمت لجيوش الاحتلال عبر التاريخ في تحويل الغزو الخارجي الى صراع داخلي فهؤلاء يصنفون ضمن الادوات الديناميكية التابعة للمشروع الخارجي وليسوا تعبيرا عن تناقضات المجتمع الاصيلة
ان استمرار استخدام هذا التصنيف المضلل في الدوائر الدولية لا يعود لخطأ في تقييم المعطيات ولكن يعبر عن منطق ادراجي انتقائي يختار ما يناسب قوالبه الاستراتيجية المسبقة من الحقائق ويغفل عمداً ما يتعارض معها ولا يعني هذا بالضرورة الانكار الاكاديمي لوجود تحديات او اخطاء بنيوية داخلية سبقت الحرب بل هو التاكيد الصارم على ان هذه التحديات والمشكلات الداخلية لم تكن يوما سببا مباشرا لنشوب هذا الصراع بل استخدمت بدقة كذريعة وغطاء سياسي لتفعيل مشروع خارجي عابر للحدود له مستهدفاته الجيوسياسية المحددة في المنطقة
ان اعادة بناء المفاهيم وتصحيحها وفق معطيات الواقع المجردة على الارض لا تمثل مجرد ترف او ممارسة لغوية بل هي حجر الاساس لاي وعي سليم بطبيعة الازمة الوجودية فالتصنيفات المضللة تعطل القدرة على التشخيص العلمي الصحيح وبالتالي تعيق الوصول الى المعالجات الاستراتيجية الناجعة وحتى نستطيع استيعاب كليات ما يحدث وتحديد سبل الخلاص الوطني يجب اولا ان نسمي الاشياء بمسمياتها الحقيقية التي تعبر عن واقعها وليس عبر العدسات والقوالب المصنوعة التي يراد لنا ان نرى المشهد من خلالها لتوجيه وعينا نحو الهزيمة