تحقيق : أمير عبدالماجد
عندما اعلن رسمياً أن سعر اسطوانة غاز المنازل سعة (12) كيلو اصبح سعرها فقط (85) الف جنيه وكان سعرها وقتذاك (109) الف جنيه كان الامر مفاجئاً واعتقد كثيرون ان الاسطوانات ستختفر من الاسواق كما اعتدنا قبل ان تعلن شركة النيل للبترول ان سعر اسطوانتها اصبح فقط (60) الف جنيه وكان سعرها لا يقل عن (107) الف جنيه .. صحيح حتي الان لم يقبل السوق هذا السعر ولازالت معظم توكيلات الغاز تنكر السعر ووجود اسطوانات النيل لكن الثابت ان الشركة لم تتراجع عن سعرها المعلن .. وهو سعر يغطي منصرفات الشركة ويحقق لها ارباحاً معقولة كما يقول علي خضر وهو صاحب توكيل قديم جداً تدرج في بيع الغاز لسنوات عندما سالته ما الذي يجعل سعر الاسطوانة يستقر عند (109) الف في حين تحقق الشركات ارباح بسعر مابين ( 60-85) واين يذهب المبلغ وهو مبلغ ليس هيناً بين الـ(60) و(80) و(109) قال ( الشركات والتجار في السودان لايعرفون ولايحبذون السلع التي تحقق ارباحاً صغيرة هم يحاولون الحصول علي ارباح (200%) لذا يضعون ارقاماً كبيرة متي وجدوا ان السوق (ماشي) والسلعة مطلوبة ولا تصدق فرية ان الشركات ارادت فعلاً تخفيف العبء علي المواطنين لذا نزلت باسعارها ولا تصدق ان الحكومة ضغطت عليها كل مافي الامر ان الغاز تراكمت اسطواناته والناس تخلوا عنه فاضطرت الشركات للتخلي عن الارباح الكبيرة مقابل الا تصاب بالركود وتتوقف حركة البيع هذا كل ما في الامر بالاضافة الي توقف السوق ابعد السماسرة الذين اعتادوا السيطرة علي حركة الاسطوانات بين المستودعات والسوق هؤلاء اعتادوا شراء الشحنات ثم توزيعها بطريقتهم كسوق سوداء لكن عدم اقبال الناس علي السلعة جعلها تغادر السوق الاسود وقبضة السماسرة للمرة الاولي ربما لان السمسار لايريد بضاعة تبقي مكدسة عنده طويلاً .. والاشارة الي السمسار ليست حصراً علي الغاز بل في كل السلع .. في كل سلعة هناك طابور سماسرة يكسب المال في المسافة بين المنتج وبائع القطاعي او حتي بائع الجملة وبين المستورد والتاجر وهؤلاء ليست لديهم سجلات ولا محال تجارية ولا رخص ولا يدفعون للدولة لاضرائب ولا رسوم وهم يتحركون في مساحات واسعة ويعملون في كل المجالات من تجارة العقارات والسيارات والخضروات وغيرها الي تجارة التصاريح والاذونات الحكومية وترخيص السيارات والعلاج بالداخل والخارج وغيرها وهم كما يقول اليسع محمد العبيد الذي يعمل في الاستيراد والتجارة العامة ويملك شركة (ماس) العالمية ان
نحن غالباً عندما نتحدث عن الازمات السودانية نذهب الي الكليات ولا نهتم بالتفاصيل مثل افة السمسرة التي تأكل جسد الاقتصاد السوداني من الداخل هؤلاء السماسرة غير المؤهلين في الغالب حوّلوا مهنة الوساطة التجارية إلى أداة جشعة تدمر المجتمع وتفسد مفاهيمه وتنهش المواطن البسيط وتحول بينه والحياة الكريمة التي يستحقها واضاف (هؤلاء الأشخاص ومعظمهم للاسف من ذوي المستوى التعليمي المتدني فرضوا أنفسهم كحلقة وصل لا يمكن تجاوزها بين التاجر والمستهلك وبين البائع والمشتري وهذه الكارثة الكبرى تكمن في أن شخصاً لا علاقة له بالاقتصاد والهندسة والعلوم الأساسية يجلس ليفتي في قيم السلع وأسعارها وكأنه خبير في الاقتصاد ويتجاوز كل الاطر ليصنع السياسات فهم يتحكمون فعلياً في سوق العملات واسعار صرفها بل وبعضهم اصبح يملك القدرة علي استصدار الاوراق الرسمية ويتاجر بها في السوق وهذه ليست اخطاء بل كوارث بالنظر الي ان اعداد هؤلاء بـ (الملايين) في السودان ولو ذهبت الي اي ملف ستجدهم امام الباب الرئيسي يتحكمون فعلياً في مفاصله فقط لانهم يملكون الالحاح والقدرة علي المناورة ويبحثون عن المال بكل الوسائل ) .. لايمكن طبعاً التعميم والادعاء بان السماسرة هم خلف كل هذه التشوهات وحدهم لكن العدد بطبيعة الحال كبير وتوسع مع الحرب وبعدها اذ تحول اصحاب الكناتين الصغيرة المتخصصة في بيع الخردوات الي سماسرة في العقارات مثلاً بحكم وجودهم بالاحياء ومعرفتهم بالملاك بل وادارة بعضهم لهذه العقارات التي يتواجد اهلا خارج البلاد … اصبح (بتاع الدكان) سمسار عقارات كبير فارتفعت اسعار ايجار العقار الي ارقام كبيرة فالمنزل المتوسط في ام درمان مثلا تم تقسيمه الي منزلين واصبح المبلغ المطلوب مليار ونصف لنصف المنزل علي ان تدفع ايجار شهر للسمسار الذي هو (سيد الدكان) او (شقيق صاحب المنزل ) او اياً كان اذ اصبحت السمسرة مهنة تجتذب الالاف كل يوم فهي مهنة لاتتطلب مؤهلاً دراسياً ولا امكانات اكاديمية فقط قدرة علي الحركة والمناورة والتنقل بين الاراء والاشخاص رويداً رويداً ذابت تلك الدكاكين التي كانت تكتب علي لافتتها (محل عقارات) ليتحول الجميع الي سماسرة في اي سلعة يجدونها امامهم .. حدثت ازمة في البترول ستجدهم امامك يبيعون السلعة في السوق السوداء باسعار مضاعفة ..الغاز .. العقارات .. في كل شيء ستجدهم لان الناس عندما توقفت اعمالهم اتجهوا بكلياتهم الي السمسرة في كل ماتقع عليه العين وفي اي سلعة يطلبها الناس .. فالخبز نفسه عندما طالته يد الندرة تحول الي السوق السوداء وكثر المتاجرين فيه وكان يباع في المنازل بعد تعبئته في اكياس وفي الاسواق يبدو الامر واضحاً وجلياً فبعض سيارات الشركات تذهب مباشرة الي تجار يشترون الشحنة كاملة ثم يخزنونها قبل بيعها في الاسواق لتجار الجملة باسعار مرتفعة وهذه طبقة من السماسرة تشتري البضاعة من المنتج وتخزنها قبل بيعها بسعر مرتفع وبعد تحديد سعرها في السوق وفي العادة يسيطر سماسرة بعينهم في سلعة بعينها وهم من يحدد سعرها في الاسواق وحتي في اسواق الخضار كما يقول عبدالنبي رمضان تاجر القطاعي بملجة ام درمان ان تجاراً يحضرون الي السوق صباحاً يشترون تقريباً كل الوارد قبل شروق الشمس ثم ينقلون الخضروات الي الملجة لبيعها بعد تقسيمها ورفع اسعارها وعادة ما يفضل المنتج بيع الخضار الي هؤلاء السماسرة لانهم يسددون المال فوراً مايسمح لهم بالعودة بعيداً عن الدخول السوق والبقاء الي منتصف النهار وبيعها لتجار مختلفين هم يبيعونها لتاجر واحد ويقبضون اموالهم ومن ثم يتولي هذا التاجر بيع الخضروات بالاسعار التي يحددها والكيفية التي يحددها وهؤلاء هم يحدد الان اسعار الخضروات لانهم من يتحكم في سوق الملجة .. لدينا هنا سماسرة من انواع مختلفة نوع يسمسر في سلع مملوكة لاخرين ونوع يشتري ومن يثم يبيع السلعة مباشرة الي اخرين وهؤلاء ينشطون في العقارات وبيع السلع واختلاق الازمات من اجل جني الارباح وهناك الفئة الاخري التي تتحكم فعياً في الاسواق وهؤلاء يشترون السلعة لتحقيق مكاسب تصل الي (200%) واكثر وهؤلاء ينشطون في تجارة العملات والعقارات الكبيرة والرخص وغيرها ويشترون السلع المستوردة من المستوردين بغرض رفع اسعارها وتحقيق مكاسب مادية ويشترون السلع من المنتج اجمالاً ويبيعونها الي التجار الاصغر لتحقيق مكاسب كبيرة والامر لايحدث في الخفاء دائماً فبعض هذه الامور تتم علناً وتدمر الاقتصاد والتجارة علنا دون ان تتدخل الدولة او يرفض المجتمع …