رأي

السوشيال ميديا مرآة للقنوات

عزف منفرد
لم تعد السوشيال ميديا مجرد مساحة لنشر الأخبار والترويج للأعمال الفنية، بل تحولت إلى منبر مفتوح يصنع فيه الفنان حضوره ويخاطب جمهوره مباشرة.أغنية يمكن أن ترى النور خلال ساعة، وخبر يصل إلى آلاف المتابعين في دقائق، وقناة بث خاصة بالفنان تتيح له تقديم محتواه دون المرور بالإجراءات الطويلة التي كانت تحكم المشهد الإعلامي في السابق.وهذا مايجعلنا نفكر: هل استطاعت السوشيال ميديا أن تتقدم على الإعلام التقليدي، أم أن الإعلام التقليدي بدأ يفقد دوره حين أصبح يكتفي بملاحقة ما تنتجه المنصات الرقمية؟
المؤسف أن بعض القنوات الفضائية السودانية باتت تتعامل مع مواقع التواصل باعتبارها مصدراً جاهزاً للمحتوى، فتأخذ الأخبار والصور والمقاطع، وأحياناً تعيد بثها بالصورة ذاتها، دون إضافة تحريرية أو إعلامية حقيقية. صحيح أن السوشيال ميديا أصبحت مصدراً مهماً للمعلومات، لكنها في النهاية فضاء مفتوح لا يخضع كل ما ينشر فيه لمعايير التحقق والجودة والمسؤولية المهنية. وهنا تحديداً يفترض أن يظهر دور المؤسسة الإعلامية، لا أن تتحول إلى مجرد ناقل لما وجدته على صفحات الآخرين.
والمشاهد الذي يتنقل بين القنوات السودانية يلاحظ تشابهاً كبيراً في البرامج والأفكار، وافتقاراً واضحاً إلى الجذب والتشويق والتجديد. برامج تتكرر، وأفكار تستنسخ، ووجوه تنتقل من شاشة إلى أخرى، وكأن المنافسة أصبحت في إعادة تقديم الموجود، لا في ابتكار الجديد.والأكثر وضوحاً هو الاعتقاد بأن وجود فنان في أي برنامج يكفي لصناعة محتوى ناجح، حتى وإن لم يكن البرنامج غنائياً. وكأن حضور الفنان أصبح وصفة جاهزة لملء زمن البث، بينما تتراجع الفكرة والإعداد والمحتوى.
وهنا تعود إلى الواجهة المعايير المهنية التي كانت تحكم المشهد الغنائي في الإذاعة السودانية، حين كانت هناك لجان مختصة لإجازة الصوت والكلمات والألحان. قد لا يكون ممكناً استعادة التجربة القديمة بالصورة نفسها، لكن الحاجة إلى معايير مهنية تضبط جودة المحتوى الصوتي والبصري تظل قائمة، خصوصاً في زمن أصبح فيه إنتاج المحتوى متاحاً للجميع.المشكلة إذن ليست في السوشيال ميديا، ولا في قدرة الفنان على الوصول إلى جمهوره مباشرة، وإنما في تخلي المؤسسات الإعلامية عن دورها في صناعة المحتوى.فالقناة التي تستمد أفكارها من السوشيال ميديا ثم تعيد تقديمها بالطريقة نفسها، لا تنافس المنصات الرقمية، وإنما تكررها.المشاهد السوداني اليوم يمتلك خيارات واسعة، وبضغطة زر يستطيع الانتقال من شاشة إلى أخرى ومن محتوى محلي إلى عربي وعالمي. لذلك فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل القنوات ليس: ماذا نشرت السوشيال ميديا اليوم؟ وإنما: ماذا يمكن أن نقدم نحن ولا تقدمه السوشيال ميديا؟المنافسة في زمن المنصات المفتوحة ليست في من ينقل أسرع، وإنما في من يصنع أفضل.وإذا ظلت شاشاتنا تكرر الأفكار ذاتها وتستضيف الأسماء ذاتها وتعيد تدوير محتوى المنصات، فلن يكون السؤال: لماذا يبتعد الجمهور؟ بل: ماذا فعلنا نحن حتى يبقى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى