رأي

الوشيجة العباسية في الدوحة الصليحابية

السفير د. حسن عيسى الطالب

كلمة ”دار برقو” كانت تطلق على المنطقة التي تعرف اليوم ب ”سلطنة دار وداي” الواقعة في شرقي جمهورية تشاد الحالية، وذلك قبل وصول الحكم للعباسيين، بقيادة جدهم الشريف عبد الكريم جامع بن عبدالقادر بن جودة العباسي، الذي قدم من بغداد عبر ميناء عيذاب (حلايب) عام 1615م، فاستقر بشندي زهاء العشر سنوات، وتزوج بها، وأنجب فيها نجليه صالح وصليح، اللذين لحقا به من بعد، وقبورهما شاخصة حتى اليوم في المقبرة الملكية بالعاصمة القديمة للسلطنة المسماة وارا (وعرة) قبل أن تنتقل لأبشي في عهد السلطان محمد شريف.

عندما قدم الشريف عبدالكريم إلى المنطقة حوالي عام 1630م كانت تحكمها الملكة ”برقو” بنت الملك داود المرين، آخر ملوك التُنجُر، الذين انحازوا إلى تلك المنطقة من سلطانهم، بعد إخراجهم من دارفور، وتغلب عائلة الكيرا عليهم بقيادة السلطان سليمان سولون (1601 – 1637م). والكيرا أنفسهم ينحدرون من قبيلة بني هلال، ويقال أن جدهم هو أحمد المعقور، أخو أبي زيد الهلالي، وكانت أمه من الفور.

وكانت مملكة ودَّاي تسمى قبل وصول الشريف عبدالكريم ”بدار برقو”، ثم سميت لاحقا بدار وداي (وضاي) بعد أن تسلم الحكم فيها العباسيون.

ومفردة ”برقو” لا تعني ولا تشير الى قبيلة معينة، وإنما تعني المنطقة التي كانت تقع تحت سلطان الملكة “برقو” التي كانت تحكم بهذا الإسم. وليس لهذا المسمى (برقو) اليوم وجود في دار وداي.

وكانت مثل هذه المسميات في تلكم الحقبة دلالة على السلطة الحاكمة والمتغلبة بالعصبية والشوكة القبلية، مثلها مثل العلامة التجارية Trademark فهناك مسميات مثل: دار حامد، ودار الكبابيش، ودار حمر، ودار الكواهلة، ودار الجعليين، ودار الشايقية، ودار نعيلة، ودار قمر، وهلم جرا..

فتعني جميعها السلطة المستقلة، ومساحة ممارسة الحكم لصاحب المسمى، وذلك في مرحلة ما قبل الدولة الأممية والقطرية والقبلية

The Nation State، Country & Tribal State

في إقليم سودان ما قبل الاستعمار الخديوي والحكم الثنائي. وكانت هذه المسميات وأمثالها هي السائدة قبل سيطرة الحكم الخديوي، إبان فترة حكم محمد علي باشا على السودان المعاصر (1820 -1885م) الذي أخضع معظم هذه الإدارات الجهوية، والحكومات السلطوية الذاتية، والكيانات القبلية في السودان، وأطلق عليها جميعا مسمى موحّد، هو: ” السودان الخديوي التركي”. ومن تلكم السالفة الإدارية تجذّر الحكم المركزي في السودان الحديث، وتبنّته الحكومات التي اعتمدت المركزية الإدارية لفترات ما بعد الإستقلال.

لكن الحكم الخديوي لم يتمكن بعد اخضاع دار فور من السيطرة على سلطنة دار وداي، التي كان لها جيش قوي ومهاب، وسلطة سياسية مستقلة، كما أنها كانت ترتبط دبلوماسيا بالسلطان العثماني في اسطنبول، ولها علاقات جيدة بالوالي (الخديوي) المفوض من قبل العثمانيين في مصر، وفقا لما ذكره الرحالة الألماني غوستاف ناشتيخال، الذي زار السلطنة في عهد السلطان علي بن محمد شريف، وسجل ملاحظاته في كتابه المرجعي: “رحلة إلى وداي”.

ظلت الأوضاع الإدارية في السودان على النمط الإداري الخديوي التركي وحتى تفجر الثورة المهدية وتحرير الخرطوم عام 1885م.

ثم جاء الغزو الثنائي الانجليزي الخديوي، عام 1898م الذي قضى على حكم المهدية في كرري، وتدمير الدولة وإبادة قادتها، بعد استشهاد الخليفة عبدالله التعايشي مع كافة وزراء وقادة حكومته، بعد اغتيالهم بدم بارد، وفي جريمة حرب بشعة في أم دبيكرات عام 1899م. وأعلن الحاكم العام ريجنالد وينقيت إلغاء حكم وقوانين الشريعة الإسلامية، وتفكيك الحكم الوطني.

عندما قدم العباسيون إلى ”دار برقو” بقيادة الشريف عبدالكريم، الذي يطلق عليه محليا: ”جدّ الإسلام”، ورثوا حكما قائما من قبل، وكان يمتثل الولاء لسلطنة دارفور المجاورة.

فتعززت لأحفاد الشريف عبدالكريم العباسي السلطة عبر الولاء الديني والاستنصار القبلي، فاستأنسوا شعبه بالمصاهرة، ومن تلقاء زواج الشريف عبدالكريم من الملكة ”برقو” بنت داود المُرين، ثم توسع أحفاده من بعده اجتماعيا وإثنيا، فتزاوجوا وتصاهروا وتناسبوا، مع القبائل الحاكمة، وأهل السلطان والشوكة العصبية وممن كان قبلهم، وخاصة قبائل المبا، والكالينقن، والكليما والكدوي وغيرهم، وكذا الحال مع معظم القبائل العربية المقيمة هناك، كالمحاميد، والهيمات، وأبوشارب، والهبانية، وبني هلبا، والسلامات، وعرب البطحا. فتحالفوا معهم لمجابهة التحديات والأخطار التي كانت تواجه المملكة الوليدة من تلقاء سلطنة دارفور، وسلطنات برنو، وفتري، وبلالة، وغيرها، الذين تم اخضاعهم نهائيا أيام حكم السلطان صليح بن جودة العباسي، الذي توسعت المملكة في عهده فضمت كل ما يعرف حاليا بجمهورية تشاد، وباستثناء منطقة انجمينا التي كان يحكمها رابح ود الزبير، حتى استشهاده بمنطقة كوسري، الواقعة على الحدود بين تشاد والكمرون، بعد معركة طاحنة مع الجيش الفرنسي الغازي بقيادة الجنرال لامي، فأقدم المستعمرون على تغيير إسم انجمينا الى فورت لامي، تخليدا لقائدهم القتيل. ثم تم ارجاع الإسم التاريخي للعاصمة ”انجمينا” في عهد الرئيس التشادي فرانسوا تمبلباي، في السبعينيات من القرن الماضي.

وجريا على النمط القائم في الممالك وقتذاك فقد أطلق على البلاد في عهد السلطان صليح مسمى: ”دار صليح”، وتعرف كذلك ب: ”دار وداي” وهو المسمى الذي أطلقه عليها جدهم الشريف عبدالكريم. ومن آثار السلطان صليح ”دار سلا” التي كانت تتبع لوداي وكان ملكها من قبيلة الداجو ويتم تعيينه من قبل الوداي.

وقد مجّد المادح الشهير حاج الماحي ”دار صليح” في قصيدته التي مطلعها:

” اللهم صل على الخيارى”، وهي منطقة معروفة لأهل السودان، عبر القوافل التجارية، التي تتجه عبر دارفور، والى مصر، عبر درب الأربعين، والى الحجاز عبر سنار. وكان التجار من دنقلا وبربر وسنار وكسلا وكردفان يتنقلون بحرية في كل ربوعها.

وكان لدار وداي علاقات تصاهر مع دار فور، حيث تزوج السلطان تيراب من الاميرة “عباسة” إبنة الأمير علي ود جودة العباسي، والتسمية مأخوذة من ”العباسة” أخت أمير المؤمنين هارون الرشيد، الخليفة العباسي، ويطلق عليها الفور لقب: الميرم ”إباسة”.

وكان الأمير علي ود جودة العباسي، هو قائد الجيوش لدى السلطانين: تيراب وعبدالرحمن الرشيد وقضى على المسبعات وهزم العبدلاب. ومنهم الشيخ عبدالله ود العجوز، صاحب المقام المزور بجبل موية، وود الصليحابي أمير المهدية الذي قاد جيوشها مع ود برجوب وأحمد وعمر المكاشفي في سقوط سنار والمناطق المجاورة؛ ومنهم الشيخ محمد الصليحابي، وهو من أبكار الشيخ أحمد الطيب البشير، شيخ الطريق السمانية، والشيخ عبدالله الصليحابي، أستاذ الشريف محمد الأمين الهندي، والد الشريف يوسف ود الهندي. ومنهم الشيخ قرشي الصليحابي، المدفون شمال جامع فاروق، وكان مسجده في موقع حديقة الحيوان سابقا، والتي بُني عليها فندق الفاتح “كورينثيا”، وأحفاده مشهورون في توتي، وأبوروف، والفتيحاب، والشيخ قرشي هو تلميذ الشيخ إدريس ود الأرباب.

كذلك للصليحاب شرف وفخر تأسيس عديد الخلاوي القرآنية، كخلوة “أيّك أم راكوبة”، وتقع في أقصى مكوكية أبوسنون، وتأسست في القرن التاسع عشر الميلادي، على يد الفكي محمد أبو الحسن، ويقال أن من أسسها هو الشيخ عجبان الصليحابي، ومنهم الشيخ محمد إمام أبوجنزير، حفيد الشيخ أبو جنزير، صاحب المرقد المشهور، شرق الجامع الكبير بالخرطوم، والقائمة تطول..

وللوداي مصاهرات مع العديد من السلطنات، ومنها سلطنة دار مساليت، وأبناء السلطان تاج الدين بحر الدين، الذي قاتل مع سلطان الوداي و مع السلطان علي دينار فهزموا الفرنسيين الذين هاجموا الوداي.

والملاحظ أن الوداي يطلقون على الحاكم لقب ”سلطان” وليس ملك، وذلك اقتداء بالسلطان الأعظم في اسطنبول. وكانت وداي ترتبط بتركيا سياسيا وبالسجادة السنوسية دينيا.

وكان شعب الوداي وحكامهم لا يرون لأي ملك أو سلطان من سواهم قدم سبق عليهم، ولا يعترفون له بولاء، إلا سلطان اسطنبول، الذي يعتبرونه سلطانا لعموم المسلمين، وتقديرا لمسئوليته الشرعية حينذئذ عن الحرم المدني، ولرعايته للحرم المكي عبر رعاية الهاشميين آنذاك.

طبعا هناك من يستخدم اليوم إسم ”البرقو” في السودان لكل القبائل التي كانت جزءا من دار تُنجُر التاريخية، وسلطنة دار وداي الحالية، قبل وصول الشريف عبدالكريم.

وكان ضمن هؤلاء من ولد جدودهم وترعرعوا في حدود السودان الحالي، قبل تقسيم أراضي سودان ماقبل الاستعمار بين الإنجليز (السودان الإنجليزي) والفرنسيين (السودان الفرنسي) وفق اتفاقية فاشودة عام 1899م بين القائدين العسكريين الاستعماريين: الانجليزي هربرت كتشنر، والجنرال الفرنسي جين بابتيست مارشان.

هذا هو الواقع، وهذا هو التاريخ المرجعي الموثوق والمثبت. وبالتالي فلا توجد حساسية عموما بين اختيار المُسَمّيين لغرض التعريف الجهوي المناطقي.

وفيما يتعلق بمن ينتمون للصليحاب عموما، فهناك من تكون نسبتهم إليهم باعتبار أنهم من المجموعات القبلية التي تسكن أو تتبع لدار صليح (السلطنة) بالولاء، وليس لأنهم ينتمون للنسب العباسي بالدم، ونظراً لأن هذا الانتماء يمنحهم الحق القانوني في الحصول على الجنسية السودانية وفق قانون الجنسية لعام 1925م.

النظارة في عموم جمهورية السودان المعترف بها للبرقو الصليحاب هي نظارة موسى يعقوب ود أحمد الصليحابي العباسي، بقلع النحل، وهي إرث حصري لأحفاد الشريف عبدالكريم، المنحدرون من إبنه صليح، وهؤلاء هم الصليحاب، وجدتهم الكبرى من الجعليين.

وقد استلم الناظر موسى الرايات التي قاتل تحتها لتحرير السودان، مع أفراد إمارته، من الإمام محمد أحمد المهدي، وخلع عليه لقب أمير في جيوش المهدية. وكانت إمارة الصليحاب التاريخية للأسرة في منطقة بطيطيخ والبركة (جعيبات) جنوب الأبيض. فأرسل لهم الإمام المهدي البعوث الداعية والرسل المبشرة، ومنهم عبدالله ود النور، يطلب منهم النصرة على الجهاد.

وقد شارك الناظر موسى ومعه أخوه أحمد ود يعقوب ود حامد في شيكان، وفي فتح الأبيض، ثم فتح الخرطوم، وقد استشهد في معركة كرري. وقاد الناظر موسى الرايات العشرة للصليحاب وحلفائهم في معركة استعادة القلابات، التي أحرقتها ومساجدها جيوش الملك الحبشي جوهانز الرابع عام 1889م المناهض للمهدية.

ثم بقي الناظر موسى ود يعقوب ومعه الناظر عبدالله ود بكر، بعد تحرير القلابات، مرتكزَين بالمنطقة حتى موعد موقعة كرري، وسقوط حكم المهدية، ثم دخول الإنجليز القضارف بقوة بقيادة الكولونيل بارسونز. ثم جرى التقسيم الإداري لمنطقة القضارف يموجب قوانين الإدارة الأهلية الى النظارات الأربع الحالية، وفق نظام الادارة الذي أقروه لاحقا. فأصبح الناظر موسى على المنطقة الغربية، تتبع لمركز القضارف، الذي كان يتبع لمديرية كسلا، وكانت تضم كذلك البحر الأحمر. وتم تحديد الجنوبية لعبدالله ود بكر والشمالية للشيخ أبو سن والشرق للشيخ محمود ود زايد.

وكان السلطان العباسي عبدالكريم، عند مقدمه إلى دار برقو، قد تزوج في القبائل الأصلية المؤسسة للأسرة المالكة في مملكة التنجر، فولد له أبناء منهم، فأخذوا اللغة غير العربية (الرطانة) من أمهاتهم وأخوالهم، كما حصل للتنجر من قبلهم، عندما اختلطوا بالفور والقبائل المجاورة لهم فتحدثوا بلغاتهم، والتنجر من القبائل العربية.

فمن تلقاء ذلكم أصبح للصليحاب أخوة غير أشقاء وأبناء عمومة يرطنون، وآخرون من أمهاتهم من العرب، في دار وداي وغيرها، لا يرطنون. وأحفاد الشريف عبدالكريم هناك يطلق عليهم ”العباسيون” لتمييزهم من القبائل الأخرى من غيرهم، ولعدم التعصب وتجافيهم عن الاعتزاز بالإثنية العصبية.

وقد كانت اللغة العربية هي اللغة الرسمية للسلطنة، وكان كل السلاطين يتحدثون العربية كلغة مخاطبة ولغة الدولة. وقد ذكر نسب الصليحاب في كتاب: “جامع نسب الجعليين” لمؤلفه عبدالله محمد الخبير؛ كما أثبت ذلك العلامة: محمد بن عمر التونسي في كتاب “تشحيذ الأذهان في سيرة بلاد العرب والسودان”، وأثبته كذلك الرحالة الألماني غوستاف ناشتيخال في كتابه: “رحلة إلى وداي ودار فور”.

هذا هو الإشكال التاريخي والخلل الثقافي الذي ربما أشكل على البعض فهمه، لقلة الإلمام بتاريخ سودان ما قبل الاستعمار الثنائي والتحول الديمغرافي والجغرافيا المحيطة.

بيد أنه لا يمكن القدح بأي حال في نسب أهل الرطانة منهم، بأن يكونوا من ذرية الشريف عبدالكريم، أو يقدح قادح في انتمائهم للسلطان صليح العباسي، فقط لأنهم يرطنون.

ومن تلقاء الشرع والعرف، فلا ضير على أمة تترقى في سُلَم التحضر الإنساني، وتتوحد بكرامة التقوى، وكلمة التوحيد، وتتواصل أمدادها بطهارة وشرف الأنساب وصدق الاحتساب، أن يتشبّه بهم الناس، ويتشرفون بالانتساب لرحمهم، فيجعلونهم قادة لهم، يأخذون من سيرتهم المثال والأسوة والقدوة.

يقول تعالى في محكم التنزيل:

“إن أكرمكم عند الله أتقاكم” الآية 13- الحجرات.

بيد أن المرتجى من هذه الاستقصاءات والتمحيص المدقق هو تحقيق الغاية والحكمة من الحديث النبوي:

” تَعَلَّموا من أنسابِكم ما تَصِلُونَ به أرحامَكم، فإن صلةَ الرحِمِ، مَحَبَّةٌ في الأهلِ، مَثْرَاةٌ في المالِ، مَنْسَأَةٌ في الأَثَرِ”.

صحيح – رواه الترمذي وأحمد.

** بتصرف من كتاب المؤلف:

“الوشيجة العباسية في الدوحة الصليحابية”..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى