د.إيناس محمد أحمد
تعد الجريمة السيبرانية من أهم الجرائم المستحدثة التي تحدث أضراراً كبيرة في البنى التحتية واقتصاد الدول و قد يترتب عليها أضرار فادحة ، وهي جريمة عابرة للحدود الوطنية للدولة ، لذلك لابد لمكافحتها من إبرام اتفاقيات ومواثيق إقليمية ودولية.
والجريمة السيبرانية واحدة من تحديات التطور الرقمي وكثرة الاعتماد على استخدام الانترنت، وتكون في عدة صور أهمها سرقة المعلومات والاختراق وجرائم الابتزاز والتهديد بانتهاك المعلومات الحاسوبية لأغراض غير قانونية.
أهم خصائص هذة الجريمة:
1/استخدام الحاسوب والانترنت كأداة لارتكاب الجريمة.
2/سرية الجريمة إذ لا يتم التبليغ عنها حفاظاً على سمعة الشركات أو البنوك أو المؤسسات.
3/صعوبة إيجاد آثار مادية لها لأن أغلب آثارها رقمية .
4/جريمة عابرة للحدود الوطنية للدول وتلحق اضرار جسيمة للدولة ولعدة دول .
5/جريمة تستدعي معرفة ودراية وخبرة بالتقنية والانترنت.
6/جريمة لا تنفذ بالعنف و يشترط فيها فقط القدرة والذكاء التقني فالجاني فيها يتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية والزمنية.
هذة الجريمة لها القدرة على قرصنة البرمجيات العالمية والمساومة بها، لذلك كان سعي العالم لمكافحتها حيث أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة أن يتم صياغة سياسة منع الجريمة وإرساء العدالة الجنائية الدولية، وفعلاً قامت الأمم المتحدة بناء على هذة التوصية عام 1950م ، بإنشاء اللجنة الاستشارية لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين التي تضطلع بمكافحة الجريمة وتقديم الاستشارات للأمين العام، إلى جانب وضع التدابير الدولية لمكافحة الجريمة.
ثم عقد مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين في ميلانو بإيطاليا عام 1985م والذي أصدر مجموعة من القواعد التوجيهية وهي نفسها القواعد التي أجيزت بعد ذلك في هافانا بكوبا حيث عقد المؤتمر الثامن عام 1990م ، والذي تبنى هذة المبادئ واستحدث أخرى لتواكب التطور التقني ، ومن أهم هذة المبادئ :
1/تحديث القوانين الجنائية الوطنية والتدابير المؤسسية.
2/تعزيز أمن المعلومات والحاسوب.
3/تدريب الكادر العامل في مجال الانترنت في الشركات الكبري والبنوك و المؤسسات الوطنية.
4/تعزيز التعاون الدولي لمكافحة هذة الجرائم بشكل فعال .
كما عقد المؤتمر التاسع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين بإشراف الأمم المتحدة في القاهرة عام 1990م ، حيث شدد على ضرورة حماية خصوصية الإنسان وحقوقه الفكرية من قرصنة المعلومات .
في أواخر عام 2001م عقدت في بودابست اتفاقية مكافحة جرائم الانترنت ، خاصة جرائم الإرهاب وتزوير بطاقات الائتمان و اختراق الحسابات البنكية ، وتعد الاتفاقية الوحيدة المتعددة الأطراف المعنية بمكافحة الجرائم السيبرانية. كذلك صدر عن الجامعة العربية اتفاقية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات في 2020/12/21م بهدف تعزيز التعاون بين الدول العربية في محاربة الجرائم السيبرانية.
من القضايا المشهورة التي أثارت مشكلة التضارب في الولاية القضائية نسبة لتعدد الدول الداخلة كأطراف في الجريمة ، مثل القضية التي قام فيها مواطن بريطاني يدعي (لوري لوف_ 28عام ) في أكتوبر 2013م بارتكاب جرائم سيبرانية ضد أنظمة حاسوب الجيش الأميركي وسرق كميات هائلة من البيانات السرية من مواقع حساسة تشمل الجيش الأميركي وانتحال شخصية أحد المسؤولين في الجيش الأميركي وكذلك معلومات من وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) بهدف عرقلة عمل هذه المؤسسات ، ورفضت المملكة المتحدة تسليمه للولايات المتحدة الأمريكية ورفضت محاكمته أمام محاكمها، وفي فبراير 2018م أصدرت محكمة الاستئناف العليا في بريطانيا حكماً تاريخياً يمنع تسليمه للولايات المتحدة لظروفه الصحية إذ أصيب باكتئاب حاد وندم على ما ارتكبه ، وأصدرت المحكمة حكمها بالسجن 10 أعوام بسبب التسلل إلى أجهزة حاسوب الجيش الأميركي، وبعامين لانتحال شخصية.
من جهة أخرى تثور إشكالية قضائية أخرى تتعلق بالولاية القضائية حين ترتكب الجريمة السيبرانية الإرهابية من قبل مواطن وتستهدف مواطنين من عدة دول كضحايا ، هنا تدفع كل دولة بحقها في الولاية القضائية علي مواطنيها ، وجاء حل هذة الإشكالية في اتفاقية بودابست 2001م التي وضعت حلاً توافقياً بحيث التشاور فيما بين الدول بغرض التوصل لأفضل محكمة تختص بالنظر في الدعوى حيث تقوم الاتفاقية بتنسيق التشريعات الوطنية للدول المعنية في ذلك السياق وتوطيد التعاون بين دول مجلس أوروبا في مجال المكافحة لهذه الجريمة وتم إقرار الاتفاقية في ستراسبورغ – فرنسا في الجلسة 109 في نوفمبر 2001م .
تكمن الخطورة الحقيقية لهذه الجريمة حينما تمتد إلى الأسرار العسكرية والأمنية للدولة لأنها بذلك تكون قد اخترقت الجهاز (المناعي) لأمن واستقرار وسلامة وسيادة الدولة ، وهذا ماحدث حينما تعرضت بيانات أكثر من 100 ألف من عناصر الشرطة البريطانية لتسريب إلكتروني خطير بعد أن تمكن قراصنة من اختراق قاعدة بيانات ومعلومات شخصية علي الانترنت مما أثار مخاوف أمنية بشأن سلامة ضباط الشرطة هناك ، بعد اختراق قاعدة البيانات الوطنية للشرطة (PNLD) وهي منصة الكترونية اخترقها القراصنة ، وقبلها تم اختراق منصة وزارة التعليم. هذة الأحداث تجعل الدول أمام تحدٍ كبير بضرورة تعزيز الحماية الرقمية بدرجة عالية.
علي الصعيد العربي انعقد بتونس الاجتماع التاسع لفريق الخبراء العرب المعني بمواجهة جرائم تقنية المعلومات في الفترة من 30_31 يوليو 2026 م وقد شارك السودان بوفد رفيع برئاسة وكيل وزارة العدل مولانا علي الخضر وأوضح تجربة السودان في إنشاء هيئة متخصصة للأمن السيبراني (SCA) وهي الجهة الرسمية المسؤولة عن حماية الفضاء السيبراني ، و تؤكد الحكومة السودانية علي وضع معايير صارمة للتراخيص وعقوبات رادعة للمخالفين .
علي المستوي الأفريقي و في 15مارس 2023م وقع السودان علي اتفاقية الإتحاد الأفريقي بشأن الأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية المعروفة باتفاقية (مالابو) نسبة إلى مدينة مالابو في غينيا الاستوائية ، والتي اعتمدت في 2014م في الدورة العادية الثالثة والعشرين لقمة رؤساء دول وحكومات الإتحاد الأفريقي التي انعقدت في مالابو ، ودخلت حيز النفاذ في 8 يونيو 2023م بعد تصديق 15 دولة أفريقية عليها آنذاك ، وبوصفها الإطار الاقليمي الملزم الوحيد لحماية البيانات خارج أوروبا ، وتم إبرامها علي عدة مراحل وتتكون من 38 مادة ، وأهم ما يميز هذة الاتفاقية أنها تجمع أمن الفضاء السيبراني والمعاملات الالكترونية وحماية البيانات الشخصية في اتفاقية واحدة ، و جاءت موزعة علي أربعة فصول.
الأمن السيبراني ملف لابد أن يجد العناية والاهتمام من الدولة بكل قطاعاتها لأن التحديات القادمة تنطلق من فضاءات بعيدة .