رأي

القوة الأخلاقية تبدأ من اتساق المبادئ رد على مقال الأستاذ بابكر فيصل: “الخماسية لم تعد مظلة محايدة لرعاية العملية السياسية”

بقلم: قريب الله السماني
الأمين العام للتجمع الاتحادي

في السياسة، قد يختلف الناس حول المواقف، وقد تتباين الرؤى بشأن الحلول، لكن ما يمنح أي مشروع سياسي قوته الحقيقية ليس حجم الشعارات التي يرفعها، وإنما اتساقه في الالتزام بالمبادئ التي يدعو إليها. فالمصداقية ليست نتاج الخطاب، بل ثمرة الانسجام بين القول والفعل، وبين المعيار الذي نطالب به الآخرين والمعيار الذي نطبقه على أنفسنا.

ومن هذا المنطلق، فإن القضية التي أثارها الأستاذ بابكر فيصل في مقاله تستحق النقاش، لأنها تتناول مبدأ حياد العملية السياسية واستقلالها عن أطراف الحرب. غير أن الإشكال لا يكمن في المبدأ، وإنما في الطريقة التي طُبق بها، إذ إن المعيار الذي استُخدم لإدانة طرف لم يُستخدم عند الحديث عن الطرف الآخر، وهو ما أوقع المقال في تناقض أفقده القوة الأخلاقية التي يحتاجها أي خطاب سياسي يريد أن يقنع قبل أن يدين.

فالكاتب ينتقد الخماسية لأنها – بحسب رأيه – أتاحت مشاركة جهات يعتبرها محسوبة على الجيش، ويرى في ذلك خروجًا على شرط الحياد وانحيازًا لطرف من أطراف النزاع. لكنه، في الوقت نفسه، يقدّم تحالف “تأسيس” باعتباره أحد الأطراف المدنية الرئيسة التي ينبغي أن تشارك في قيادة العملية السياسية، متجاهلًا أن هذا التحالف يرأسه قائد قوات الدعم السريع، أحد طرفي الحرب، والذي أعلن كذلك تشكيل حكومة موازية باسم التحالف.

وهنا يبرز السؤال الذي تجاهله المقال: إذا كان مجرد الارتباط بالجيش يفقد أي جهة صفة الحياد، فلماذا لا يُطبَّق المعيار نفسه على تحالف يقوده قائد قوات الدعم السريع؟

إن الحياد ليس موقفًا انتقائيًا، بل مبدأ يُطبَّق على الجميع أو يفقد معناه. فلا يجوز رفض ارتباط طرف بالقوة العسكرية، ثم القبول بطرف آخر يقوده أحد قادة الحرب، ثم تقديمه باعتباره ممثلًا للقوى المدنية. كما أن مبدأ “ملكية السودانيين للعملية السياسية” لا يعني أن تحتكر مجموعة سياسية بعينها تعريف من هو المدني ومن هو غير المدني، أو أن تمنح الشرعية لهذا الطرف وتحجبها عن الآخر وفقًا لاعتبارات سياسية. فالملكية الوطنية تعني الشمول والعدالة وتكافؤ المعايير، لا إعادة إنتاج الإقصاء تحت شعارات جديدة.

إن هذه الازدواجية ليست مجرد خطأ في التقدير السياسي، بل تمس جوهر المصداقية نفسها. فالقوة الأخلاقية لأي مشروع سياسي لا تُستمد من الشعارات التي يرفعها، وإنما من اتساقه في تطبيق مبادئه على الجميع دون استثناء.

لقد رفعت قوى صمود، منذ اندلاع الحرب، شعارات الحياد والمدنية ورفض هيمنة العسكريين على العملية السياسية. غير أن مواقفها، وفي مقدمتها تعاملها مع تحالف “تأسيس”، قدمت – في نظر كثير من السودانيين – نموذجًا لتطبيق انتقائي لهذه المبادئ؛ إذ أصبح معيار الارتباط بالأطراف العسكرية يُستخدم في مواجهة طرف، بينما يُتجاوز عندما يتعلق بالطرف الآخر.

ولذلك، فإن صمود لم تفقد مصداقيتها بسبب اختلاف الناس معها سياسيًا، وإنما لأنها لم تطبق المبادئ التي طالبت الآخرين بالالتزام بها. فالمصداقية تُبنى على اتساق المواقف، لا على قوة الشعارات. وعندما يصبح الحياد انتقائيًا، والمدنية انتقائية، ورفض عسكرة السياسة انتقائيًا، فإن الخطاب السياسي يفقد قوته الأخلاقية قبل أن يفقد تأثيره السياسي.

إن هذا التناقض لم يكن موقفًا عابرًا أو اجتهادًا في محطة سياسية بعينها، بل ظل سمةً ملازمةً لخطاب صمود منذ اندلاع الحرب. ولذلك، فإن الأزمة التي تواجه التحالف ليست أزمة خصوم ولا أزمة خطاب إعلامي، وإنما أزمة مصداقية نتجت عن عدم الاتساق بين المبادئ التي أعلنها والمواقف التي تبناها. واستعادة هذه المصداقية لن تتحقق بإلقاء اللوم على الوسطاء أو على الأطراف الأخرى، وإنما بمراجعة الذات والالتزام بمبدأ واحد يُطبَّق على الجميع بلا استثناء. فالمبادئ التي لا تُطبق بالتساوي تفقد قيمتها، والسياسة التي تفقد قوتها الأخلاقية لا تستطيع أن تحافظ طويلًا على تأثيرها السياسي.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى استبدال انحياز بانحياز آخر، ولا إلى إعادة تعريف “القوى المدنية” وفقًا لقربها من هذا الطرف أو ذاك، وإنما يحتاج إلى معيار واحد يُطبق على الجميع دون استثناء. فمن يقود قوة عسكرية متحاربة لا يمكن، في الوقت نفسه، أن يُقدَّم باعتباره ممثلًا للقوى المدنية في عملية يُفترض أنها مستقلة عن أطراف الحرب.

إن استعادة الثقة في أي مشروع سياسي تبدأ بالاتساق في المبادئ. وما لم تُطبَّق معايير الحياد والمدنية على جميع الأطراف بلا استثناء، فستظل الدعوات إلى عملية سياسية مستقلة تفتقد إلى المصداقية، وسيظل تحالف صمود يتحمل مسؤولية جانب مهم من هذا التراجع بسبب التناقض بين شعاراته وممارساته.

إن السودان لن يخرج من أزمته عبر عملية سياسية تُدار بمعايير مزدوجة، ولا عبر تصنيف القوى المدنية وفقًا لقربها من هذا الطرف أو ذاك. فالمدنية ليست شعارًا يُمنح لمن نؤيده ويُسحب ممن نختلف معه، والحياد ليس موقفًا يُستخدم ضد طرف ويُستثنى منه آخر.

إن الطريق إلى السلام يبدأ بمبدأ بسيط وواضح: لا امتياز سياسي لأي طرف يستند إلى السلاح، ولا حصانة سياسية لأي قيادة عسكرية، مهما كان موقعها أو انتماؤها. وعندما يُطبَّق هذا المبدأ على الجميع دون استثناء، فقط عندها يمكن الحديث عن عملية سياسية حقيقية تحظى بثقة السودانيين وتؤسس لسلام عادل ومستدام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى