رؤية تحليلية نقدية لأبعاد القصف الحوثي، دلالات التحذير الباكستاني الصارم للحرس الثوري الإيراني، ومأزق الحسابات الخليجية المشروطة.
بقلم: د. محمد زيدان خفاجي
باحث في العلاقات الخليجية-الإيرانية والسياسات الدولية
mohammedzidan89@gmail.com
اشتعال جبهة اليمن وتلازم الممرات المائية:
لم يعد الملف الإيراني الملتهب معزولاً بأي حال من الأحوال عن أذرعه الإقليمية في المنطقة، حيث دلف الصراع كلياً طور “وحدة الساحات” الجيومكانية بعد أن تفجرت الساحة اليمنية بشكل عنيف كاسراً هدوء السنوات الأربع الماضية؛ ففور قيام القوات الشرعية بضرب مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع طائرة نقل عسكرية تابعة لشركة “ماهان إير” الإيرانية من الهبوط، جاءت الاندفاعة الحوثية الخشنة لتنقل المعركة مباشرة إلى العمق الجغرافي للمملكة العربية السعودية عبر استهداف صاروخي وجوي مكثف طال “مطار أبها الدولي” جنوبي البلاد. ومن منظور أداة التحليل الجيوسياسي، فإن هذا التصعيد المفاجئ والخارج عن حسابات التهدئة التقليدية لا يمكن فصله عن غارات السبع ساعات المتواصلة التي شنتها القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ضد منشآت وبنى تحتية حيوية وجسور لوجستية تابعة للحرس الثوري في بندر عباس ومحافظة هرمزجان؛ إذ تعمدت طهران تحريك بيادقها في اليمن لتخفيف الضغط العسكري المسلط على شريطها الساحلي الجنوبي، مبرهنة للرئيس دونالد ترامب على أن أي محاولة لفرض إغلاق أو حصار بحري مطبق على منشآتها النفطية ستقابل بتفجير فوري لمنشآت الطيران والطاقة في الجوار الخليجي بأكمله، وهو ما ترجمه التهديد الصريح لإنهاء مرحلة “خفض التصعيد” وعسكرة الأجواء السيادية للمنطقة.
المتغير الباكستاني النووي: خط أحمر يبعثر حسابات الحرس الثوري:
إلا أن الصدمة الجيوسياسية الكبرى التي بعثرت أوراق طهران الليلة، تكمن في الموقف العسكري والسياسي المتقدم والحاسم الذي أعلنته إسلام آباد بشكل مباشر وصارم؛ حيث وجهت القيادة المدنية والعسكرية الباكستانية رسالة شديدة اللهجة إلى القيادة الإيرانية على أعلى المستويات، مفادها أن أي استهداف للأراضي السعودية أو المساس بأمن المملكة يمثل استهدافاً مباشراً لباكستان نفسها، وهو خط أحمر لن تسمح القوة النووية الإقليمية بتجاوزه. هذا التحذير الباكستاني الفوري لا ينطلق من فراغ، بل يستند قانونياً وميدانياً إلى تفعيل “اتفاقية الدفاع المشترك” المبرمة بين الرياض وإسلام آباد، وتواجد القوات الجوية والبرية الباكستانية في القواعد والمناطق الحدودية لصد أي هجمات باليستية. ووفقاً لاقتراب تحليل النظم، يكشف هذا التحول المرعب عن دخول الصراع طوراً أممياً عابراً للحدود؛ فإسلام آباد التي لطالما حافظت على شعرة معاوية الدبلوماسية مع طهران لتقديم وساطات مرنة، ترى اليوم في عشوائية القصف الحوثي وتوجيه المسيرات بغطاء إلكتروني وتشویش لاسلكي إيراني تهديداً وجودياً يجر القوى الإقليمية لصدام شامل ومفتوح لا ترغب فيه، مما يضع سلوك طهران وحلفائها تحت مقصلة الردع الباكستاني المباشر ويجبرها على مراجعة حسابات الاندفاع الميداني قبل خسارة الجار الشرقي بالكامل.
خديعة “أسلحة الدمار” فوق مياه هرمز الملتهبة:
وهنا تبرز في العمق التحليلي المقارنة التاريخية الصارمة والواجبة مع الخديعة الكبرى لغزو العراق عام 2003؛ فحينها، جرى حشد الجيوش وتفخيخ المنابر الدولية تحت لافتة “وجود أسلحة دمار شامل” تهدد السلم العالمي، ليتبين للمجتمع الدولي بعد حرق بغداد وتفكيك الدولة العراقية أن السلاح كان محض وهم، بينما كانت الغاية الجيوسياسية الكامنة خلف الدخان هي الهيمنة المطلقة على آبار النفط وإعادة هندسة جغرافيا الطاقة في الشرق الأوسط لصالح الشركات العابرة للقارات. واليوم، يتكرر السيناريو ذاته بكافة حذافيره فوق مياه هرمز الساخنة؛ إذ يتم التذرع بحماية أطقم السفن المدنية ومواجهة الطموح النووي لتبرير قصف الجسور والبنية التحتية اللوجستية في هرمزجان من قبل القوات الأمريكية، في حين تثبت لغة الأرقام والمساومات حول “المليارات وفواتير الحماية” البديلة للرسوم الجمركية أن الغاية الحقيقية لواشنطن هي الهيمنة على شريان يغذي الاقتصاد العالمي، مستغلة في ذلك السلوك الراديكالي للحرس الثوري الذي يعمد بدوره إلى تسييل شعار “النفط للجميع أو لا أحد” لحماية مكتسباته السيادية ضد الهجوم الأمريكي الغاشم.
الانكشاف الإستراتيجي وحتمية المقاربة الخليجية المستقلة:
إن مشهد الصواريخ المتطايرة في أجواء أبها وصنعاء، وتمدد رقعة الصراع لتدخل فيها باكستان كطرف مدافع أصيل، يضع الأمن القومي لعواصم مجلس التعاون الخليجي أمام الانكشاف الأكثر مرارة في تاريخ العلاقات الحديثة؛ فالاعتماد على المظلات الحمائية التقليدية للغرب أثبت مجدداً أنه لا يوفر عمقاً أمنياً حقيقياً، بل يحول جغرافيا المنطقة إلى ساحة مستباحة لتصفية الحسابات الكبرى بين القوى العظمى؛ مما يفرض على القرار الخليجي بناء تحوط ذاتي مستقل وشبكة تفاهمات مباشرة وثنائية مع طهران تحصن الموانئ والسيادة الجغرافية بعيداً عن صفقات ترامب المشروطة.
الخاتمة: إعادة هندسة التوازنات بالدم والبارود:
في التحليل الأخير، يثبت تلازم قصف أبها مع دخول باكستان خط المواجهة الصريحة أن الشرق الأوسط قد دلف رسمياً طور صياغة التوازنات بالحديد والنار العارية، مسقطاً كل أوراق التهدئة المبرمة في يونيو، ليبقى السؤال الإستراتيجي معلقاً فوق المياه والمدارج الملتهبة: هل تنجح جولة الردع الباكستانية والضغط الأمريكي في كبح جماح الحرس الثوري، أم أن تفجير الأجواء والمطارات سيقود الإقليم نحو حرب شاملة تلتهم ما تبقى من تفاهمات وتكتب مستقبل المنطقة بالدم والبارود؟