الصادق البديري
يبدو أن دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي الذي بدأ ولايته بسلسلة من السخريات والاستفزازات تجاه مجتمع “الميم”، قرر فجأة أن يصبح أكبر محتفل بـ”الفخر” في العالم، لكن فقط عندما يتعلق الأمر باستفزاز خصومه السياسيين في مصر وإيران!
يبدو أن ترامب، الرئيس الذي أمضى شهوراً يسخر من مجتمع الميم ويقلد حركاتهم، والذي رفضت إدارته الاعتراف بشهر الفخر لعام 2025 وأعلنت يونيو “شهر الباب التاسع” بدلاً من ذلك، قد قرر فجأة أن يكون أكبر مشجع لمجتمع الميم في العالم، لكن المفارقة؟ ذلك فقط عندما يتعلق الأمر باستفزاز خصومه السياسيين!
ففي مشهد يصلح لأن يكون حبكة لفيلم كوميدي، خصصت لجنة التنظيم في سياتل مباراة كأس العالم بين مصر وإيران في 26 يونيو 2026 لتكون “مباراة الفخر” (Pride Match)، احتفالاً بشهر الفخر والتزاماً من المدينة تجاه مجتمع الميم.
والمشكلة الوحيدة؟ أن مصر وإيران هما دولتان تجرّمان المثلية الجنسية، حيث تصل العقوبة في إيران إلى الإعدام، وفي مصر إلى السجن.
وكما وصفته صحيفة “ذا أتلانتك” في 7 يونيو 2026: “عندما أعلن جدول مباريات الفيفا عن مباراة الفخر بعد القرعة، بدا الأمر وكأنه نكتة مريضة”.
وبينما احتج اتحادا الكرة المصري والإيراني بشدة، ووصف رئيس الاتحاد الإيراني الأمر بأنه “غير عقلاني”، كان ترامب يستعد لدوره في هذه الكوميديا.
ففي تصريح علني، قال ترامب إنه لا يمانع مشاركة إيران في كأس العالم، مؤكداً أن لاعبيهم مرحب بهم، لكن مع إشارة غريبة إلى أن وجودهم قد لا يكون “مناسباً من أجل سلامتهم وحياتهم”، ويبدو أن ترمب يريد إيران في المونديال، لكنه لا يستطيع ضمان سلامتهم! تناقض آخر يضاف إلى سجل حافل.
والمفارقة الأكبر أن هذه المباراة التي احتفلت بـ”الفخر” أقيمت في مدينة سياتل، حيث اختلطت أعلام مصر وإيران بأعلام قوس قزح، في مشهد وصفته صحيفة “ذا سيتي هيرالد” في 26 يونيو 2026 بأنه “ملون، بكل معنى الكلمة”.
وفي الوقت نفسه، كان ترامب يستمتع بسخرية أخرى من مجتمع الميم، حيث نشر صورة تخيلية له وهو يرتدي زي كرة القدم الأمريكية، محاطاً بمشجعين عراة الصدر يهزون كرات “البوم بوم”، في صورة وصفها البعض بأنها “مشبعة بطاقة كامب” – وهو مفهوم في الثقافة والفن يشير إلى الأسلوب القائم على المبالغة، التكلف، الغرابة الممتعة، والابتعاد المتعمد عن المعايير التقليدية للذوق الرفيع- وسخر الناشطون من الصورة قائلين: “كم هو منعش أن نرى جمهورياً يحتفل بشهر الفخر!
ولم تتوقف تناقضات ترامب عند هذا الحد، ففي مقابلة مع “فوكس نيوز” في 26 مارس 2026، قال ترامب إنه فاز “بأصوات المثليين” أكثر من أي جمهوري آخر، رغم أن استطلاعات الرأي أظهرت أن أقل من 1 من كل 5 مثليين صوتوا له.
وفي حديث آخر، ادعى أن الإيرانيين “يرمون المثليين من على المباني” وأن الأمريكيين لا يفعلون ذلك، مضيفاً: “نحن ندعم المثليين”.
حقاً، يا للسخرية! رئيس يدعم المثليين، لكنه يرفض الاعتراف بشهرهم، ويحول يونيو إلى “شهر الباب التاسع”، ويسخر من حركاتهم، ويعكس سياسات الحماية التي كانت تحميهم.
لقد تحولت مباراة “الفخر” بين مصر وإيران إلى مسرحية هزلية بامتياز، حيث وجد ترامب في هذه المباراة فرصة ذهبية لاستفزاز خصومه السياسيين، متظاهراً بأنه مناصر لقضايا الميم، بينما يواصل في الداخل حربه ضدهم.
وكما علق أحد الناشطين على صورة ترامب الشهيرة: “هل هو مثلي؟”، لا، إنه فقط ترامب، الذي لا يتوانى عن استخدام أي قضية، مهما كانت، لخدمة أجندته السياسية، حتى لو كان ذلك يعني الاحتفال بـ”الفخر” في يوم والتخلص منه في اليوم التالي.
ولا يبدو أن ترامب سيتوقف عن إدهاش الدهشة ذاتها كل صباح بتصرف يؤكد كم هو “ترامب بن ترامب”، ويبقى السؤال: هل وقع ترامب قراراته الرئاسية الأولى بطرد المثليين بعض من المصالح والوزارات لأنه كان جادا في محاربة الظاهرة في مجتمعه الجديد “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا؟، أم أنه يستخدم الضرب تحت الحزام وفي عين الحزام ذاته حينما يريد أن ينال ممن يعتبرهم خصومه أيا كانوا؟